لم يكن اعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، عرش أسلافه المنعمين في 30 يوليوز 1999 مجرد انتقال في الحكم، بل شكل بداية مرحلة جديدة أعادت صياغة أولويات الدولة والمجتمع، ووضعت الإنسان في قلب المشروع التنموي للمملكة.
فعلى امتداد سبعة وعشرين عامًا، أطلق المغرب أوراشًا كبرى تجاوزت منطق المشاريع الظرفية إلى بناء رؤية شاملة، جعلت الكرامة الإنسانية، والعدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، وتقليص الفوارق المجالية، ركائز أساسية لمغرب حديث يتطلع إلى المستقبل بثقة وطموح.
ومن إصلاح مدونة الأسرة وإطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، إلى تعميم الحماية الاجتماعية والدعم المباشر، ومن بناء الموانئ والطرق السيارة والقطار فائق السرعة، إلى تطوير صناعة السيارات والطيران والطاقات المتجددة، رسمت المملكة مسارًا تنمويًا متكاملًا جمع بين الاقتصاد والمجتمع، وبين تحديث البنيات التحتية وتعزيز مكانة المغرب الدولية.
وفي الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد، لا تقتصر الحصيلة على عدد المشاريع أو حجم الاستثمارات، بل تتجسد في تحول عميق في فلسفة التنمية نفسها؛ تحول جعل المواطن محور السياسات العمومية، وجعل الاستثمار في الإنسان أساسًا لبناء مغرب أكثر إنصافًا وتنافسية وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
من خطاب العرش إلى مشروع مجتمعي.. الإنسان أولًا
منذ السنوات الأولى للعهد الجديد، برزت رؤية ملكية واضحة تعتبر أن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق دون تحسين ظروف عيش المواطنين، وتوسيع فرص الولوج إلى التعليم والصحة والسكن والشغل، وضمان استفادة مختلف المناطق والفئات من ثمار النمو.
وقد شكلت خطب الملك محمد السادس مرجعًا استراتيجيًا لتوجيه السياسات العمومية، من خلال التأكيد المتواصل على ضرورة محاربة الفقر والهشاشة، والاهتمام بالشباب والمرأة، وتقوية الطبقة الوسطى، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
ومع مرور السنوات، تحولت هذه التوجهات إلى مؤسسات وبرامج وأوراش وطنية، انتقلت بالعمل الاجتماعي من منطق التدخل المحدود إلى منطق الحقوق والحماية والاستدامة.
وهكذا، لم تعد التنمية تُقاس فقط بحجم الناتج الاقتصادي أو عدد المشاريع، بل بقدرتها على تحسين حياة المواطن، وتعزيز كرامته، وتوسيع فرصه في بناء مستقبله.
مدونة الأسرة.. إصلاح مجتمعي أعاد ترتيب الحقوق والمسؤوليات
شكل إقرار مدونة الأسرة سنة 2004 محطة مفصلية في مسار الإصلاح الاجتماعي، بعدما عززت مكانة المرأة داخل الأسرة، ورسخت دور القضاء في حماية الحقوق، وأعادت تنظيم عدد من العلاقات الأسرية وفق رؤية تجمع بين الثوابت الدينية ومتطلبات التطور المجتمعي.
ورفعت المدونة سن الزواج إلى 18 سنة، وأخضعت الطلاق لمراقبة القضاء، ووضعت ضوابط أكثر صرامة لتعدد الزوجات، كما عززت حقوق الأطفال في الحضانة والنفقة.
ولم يكن هذا الإصلاح مجرد تعديل قانوني، بل عكس تصورًا ملكيًا يروم بناء أسرة أكثر توازنًا وإنصافًا، باعتبارها النواة الأساسية للمجتمع.
كما أن ورش مراجعة المدونة يؤكد استمرار هذا المسار، وسعي المملكة إلى تطوير التشريع الأسري بما يواكب التحولات الاجتماعية ويحافظ في الوقت نفسه على الثوابت الوطنية.
المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.. عندما أصبحت التنمية استثمارًا في الإنسان
في 18 ماي 2005، أطلق الملك محمد السادس المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، لتشكل واحدة من أهم محطات التحول في فلسفة العمل الاجتماعي بالمغرب.
فبدل الاقتصار على معالجة نتائج الفقر والهشاشة، انتقلت المقاربة إلى معالجة أسباب الإقصاء، ودعم المبادرات المحلية، وتشجيع الأنشطة المدرة للدخل، وتعزيز قدرات الأفراد والجماعات.
وعبر مراحلها المتعددة، ساهمت المبادرة في إنجاز آلاف المشاريع الاجتماعية والاقتصادية، شملت بناء وتجهيز المؤسسات الاجتماعية، وتأهيل الأحياء ناقصة التجهيز، ودعم التعاونيات والمقاولات الصغرى، وتحسين الولوج إلى الخدمات الأساسية.
كما عززت مرحلتها الثالثة الاهتمام بتنمية الطفولة المبكرة، ودعم الشباب، وتحسين الإدماج الاقتصادي، ومواكبة الأشخاص في وضعية هشاشة.
وبفضل استمراريتها وتطور آلياتها، أصبحت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية تجربة تنموية رائدة، ونموذجًا قائمًا على إشراك الفاعلين المحليين وربط التنمية بحاجيات السكان.
السكن اللائق.. من محاربة الصفيح إلى صون الكرامة
أولى الملك محمد السادس أهمية خاصة لقضية السكن، باعتبارها أحد الشروط الأساسية للاستقرار الاجتماعي وحماية كرامة المواطن.
وفي هذا الإطار، شكل برنامج «مدن بدون صفيح» أحد أبرز الأوراش الاجتماعية، بعدما ساهم في تحسين ظروف عيش أعداد كبيرة من الأسر، وإعادة إسكانها في بيئات أكثر ملاءمة، وتأهيل عدد من المجالات الحضرية.
كما تم تطوير برامج السكن الاجتماعي وإعادة تأهيل الأحياء ناقصة التجهيز، بهدف توسيع الولوج إلى السكن وتحسين جودة المجال الحضري.
ورغم استمرار تحديات مرتبطة بالنمو الديمغرافي والتوسع العمراني وارتفاع الطلب، فقد ساهمت هذه البرامج في جعل السكن اللائق جزءًا محوريًا من السياسات الاجتماعية.
التعليم.. الاستثمار في الإنسان يبدأ من المدرسة
انطلاقًا من قناعة بأن التعليم هو أساس التنمية وبناء الرأسمال البشري، شهدت المنظومة التعليمية سلسلة من الإصلاحات والبرامج الاجتماعية الواسعة.
وشملت هذه الجهود برنامج «تيسير»، ومبادرة «مليون محفظة»، وتوسيع خدمات النقل المدرسي والإطعام والداخليات، خاصة بالمناطق القروية والجبلية.
وساهمت هذه البرامج في تخفيف الأعباء عن الأسر، وتشجيع تمدرس الأطفال، والحد من الهدر المدرسي، وتقريب المدرسة من الفئات التي كانت تواجه صعوبات في الولوج إلى التعليم.
وتتواصل اليوم جهود إصلاح المدرسة العمومية من خلال خارطة طريق تستهدف تحسين جودة التعلمات، وتعزيز حكامة المؤسسات، وتطوير أداء الأطر التربوية، وربط التعليم بمتطلبات سوق الشغل والتحولات الرقمية.
ويبقى إصلاح التعليم أحد أهم رهانات المرحلة المقبلة، بالنظر إلى دوره في تكافؤ الفرص، والحد من الفوارق، وتكوين أجيال قادرة على قيادة الاقتصاد المغربي الجديد.
الصحة.. الانتقال من العلاج إلى الحماية الصحية الشاملة
عرف القطاع الصحي تحولًا متدرجًا، قبل أن يدخل مرحلة جديدة مع إطلاق ورش إصلاح المنظومة الصحية وتعميم الحماية الاجتماعية.
وشكل الانتقال من نظام المساعدة الطبية «راميد» إلى توسيع التأمين الإجباري الأساسي عن المرض محطة أساسية في مسار تمكين مختلف الفئات من الولوج إلى الخدمات الصحية.
كما شملت الإصلاحات إعادة تنظيم المنظومة، وإحداث مؤسسات وهيئات جديدة للحكامة، وتأهيل المستشفيات، وتطوير البنيات الصحية، وتعزيز الموارد البشرية، والاعتماد المتزايد على الرقمنة.
ويهدف هذا الورش إلى بناء منظومة صحية أكثر عدالة وفعالية، تقوم على الوقاية، وتحسين جودة العلاج، وتقريب الخدمات من المواطنين.
ورغم استمرار تحديات مرتبطة بالنقص في الموارد البشرية والتفاوت بين المجالات والضغط على المؤسسات الصحية، فإن الإصلاحات الجارية تمثل تحولًا مؤسساتيًا مهمًا في مسار تعزيز الحق في الصحة.
الحماية الاجتماعية.. أكبر ورش اجتماعي في تاريخ المملكة
يُعد ورش تعميم الحماية الاجتماعية، الذي أعطى الملك محمد السادس انطلاقته سنة 2021، أكبر مشروع اجتماعي عرفه المغرب منذ الاستقلال، وأحد أهم ركائز الدولة الاجتماعية الجديدة.
ويهدف المشروع إلى تعميم التأمين الإجباري عن المرض، والتعويضات العائلية، وتوسيع أنظمة التقاعد، وإرساء آليات التعويض عن فقدان الشغل، بما يعزز حماية الأسر ويقلص مخاطر الفقر والهشاشة.
وفي إطار تنزيل هذا الورش، تم إحداث الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي، وإطلاق برنامج الدعم الاجتماعي المباشر لفائدة الأسر المستحقة، بالاعتماد على السجل الاجتماعي الموحد.
ويمثل هذا التحول انتقالًا من منطق الدعم المتفرق إلى منظومة مؤسساتية تعتمد على الاستهداف والإنصاف والشفافية، وتضع الحماية الاجتماعية ضمن الحقوق الأساسية للمواطن.
العالم القروي.. تقليص العزلة وتوسيع فرص التنمية
امتدت الأوراش الملكية إلى مختلف جهات المملكة، مع اهتمام خاص بالعالم القروي والمناطق الجبلية.
وشهدت هذه المجالات توسع شبكات الكهرباء والماء الصالح للشرب، وإنجاز الطرق والمسالك، وبناء المؤسسات التعليمية والمراكز الصحية، وتطوير النقل المدرسي، وتقريب الخدمات الأساسية.
وساهمت هذه المشاريع في تقليص العزلة، وتحسين ظروف العيش، وتسهيل ولوج السكان إلى التعليم والصحة والأسواق.
ومع ذلك، تظل العدالة المجالية من أبرز رهانات المرحلة المقبلة، في ظل استمرار تفاوت مستوى الخدمات وفرص التنمية بين بعض المناطق، وهو ما يجعل تعزيز الاستثمار الترابي وتحسين الحكامة المحلية أولوية مستمرة.
من اقتصاد تقليدي إلى قوة صناعية صاعدة
بالتوازي مع بناء أسس الدولة الاجتماعية، شهد الاقتصاد المغربي تحولًا عميقًا خلال عهد الملك محمد السادس.
فقد انتقلت المملكة تدريجيًا من اقتصاد يعتمد على القطاعات التقليدية إلى اقتصاد أكثر تنوعًا، يرتكز على الصناعة والتصدير والخدمات اللوجستية والطاقات المتجددة والاستثمارات الأجنبية والبنيات التحتية.
وجاء هذا التحول نتيجة رؤية استراتيجية بعيدة المدى، قامت على تحديث الاقتصاد، وتحسين مناخ الأعمال، وتطوير البنيات التحتية، وتعزيز الانفتاح على الأسواق الدولية.
وأصبح المغرب اليوم يمتلك قاعدة صناعية أكثر تنوعًا، وقدرة أكبر على استقطاب الاستثمارات والاندماج في سلاسل الإنتاج العالمية.
طنجة المتوسط.. المشروع الذي غيّر الخريطة الاقتصادية للمغرب
يُعد مركب ميناء طنجة المتوسط أحد أبرز المشاريع الاستراتيجية خلال العهد الجديد، بعدما تحول من مشروع طموح إلى منصة لوجستية وصناعية عالمية.
ولم يعد الميناء مجرد نقطة لعبور السلع، بل أصبح قطبًا اقتصاديًا يحتضن مئات الشركات الوطنية والدولية العاملة في قطاعات السيارات والطيران والنسيج والإلكترونيات والخدمات اللوجستية.
وساهم المشروع في تعزيز المبادلات التجارية، واستقطاب الاستثمارات، وخلق فرص الشغل، وربط المغرب بشكل أوسع بسلاسل القيمة العالمية.
كما عزز موقع المملكة باعتبارها بوابة استراتيجية بين أوروبا وإفريقيا والأمريكيتين، ورسخ مكانتها ضمن أهم المراكز اللوجستية في المنطقة.
صناعة السيارات.. من الاستيراد إلى الريادة الإفريقية
تُعد صناعة السيارات واحدة من أبرز قصص النجاح الاقتصادي في المغرب خلال العقدين الأخيرين.
فبفضل استقطاب استثمارات كبرى، خاصة من مجموعتي رونو وستيلانتيس، إلى جانب مئات الشركات المتخصصة في صناعة المكونات، تحول المغرب إلى قاعدة صناعية رئيسية لإنتاج وتصدير السيارات.
كما ساهم ارتفاع نسبة الإدماج المحلي وتوسع شبكة الموردين في نقل الخبرات والتكنولوجيا، وخلق آلاف فرص الشغل، وتعزيز تنافسية الصادرات المغربية.
وأصبح القطاع نموذجًا لسياسة صناعية تقوم على تطوير البنيات التحتية، وتوفير التكوين المتخصص، وربط المناطق الصناعية بالموانئ والأسواق العالمية.
صناعة الطيران.. من قطاع شبه غائب إلى منظومة متقدمة
قبل بداية الألفية الجديدة، كانت صناعة الطيران شبه غائبة عن المشهد الاقتصادي المغربي.
أما اليوم، فقد أصبحت المملكة تحتضن منظومة صناعية تضم شركات عالمية متخصصة في تصنيع أجزاء الطائرات، والهندسة الصناعية، وصيانة المعدات، وإنتاج المكونات الدقيقة.
وتحولت منطقة النواصر قرب الدار البيضاء إلى قطب صناعي مهم، مع توسع منظومات التكوين واستقطاب الكفاءات.
وساهم هذا التحول في رفع القيمة المضافة للصادرات، وتعزيز نقل التكنولوجيا، وترسيخ صورة المغرب كوجهة للصناعات المتقدمة.
الطاقات المتجددة.. الاستثمار في أمن الطاقة والمستقبل الأخضر
أدرك المغرب مبكرًا أهمية الانتقال الطاقي، في ظل ارتفاع حاجياته من الطاقة واعتماده على استيراد جزء كبير من الموارد الأحفورية.
وفي هذا الإطار، أطلق استراتيجية طموحة لتطوير الطاقة الشمسية والريحية، وتجسدت في مشاريع كبرى، من بينها مركب نور ورزازات، إلى جانب محطات الرياح والاستثمارات المرتبطة بالهيدروجين الأخضر.
وساهمت هذه المشاريع في تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز الأمن الطاقي، وتقليص التبعية للوقود الأحفوري، وترسيخ مكانة المغرب كأحد رواد التحول الطاقي في إفريقيا.
كما أصبحت الطاقة النظيفة عنصرًا مهمًا في استقطاب الاستثمارات الصناعية، خاصة مع توجه الأسواق العالمية نحو تقليص الانبعاثات واعتماد الإنتاج المستدام.
الفلاحة.. من مخطط المغرب الأخضر إلى الجيل الأخضر
شهد القطاع الفلاحي تحولًا كبيرًا مع إطلاق مخطط المغرب الأخضر سنة 2008، الذي استهدف تحديث الإنتاج، وتشجيع الاستثمار، وتحسين الإنتاجية، وتطوير سلاسل القيمة.
وفي سنة 2020، أطلقت استراتيجية «الجيل الأخضر 2020-2030»، التي جعلت الرأسمال البشري في صلب التنمية الفلاحية، وشجعت على ظهور جيل جديد من المقاولين والشباب في العالم القروي.
ورغم المكتسبات، فرض توالي سنوات الجفاف تحديات جديدة، أبرزها تعزيز الأمن المائي، وتطوير الزراعة المستدامة، وتحسين قدرة الفلاحين على مواجهة التغيرات المناخية.
ثورة البنيات التحتية.. المغرب يربط جهاته ويبني اقتصاد المستقبل
لم يكن التحول الاقتصادي والاجتماعي ممكنًا دون استثمارات كبرى في البنيات التحتية.
فخلال سبعة وعشرين عامًا، توسعت شبكة الطرق السيارة، وتطورت الموانئ والمطارات، وتحديث النقل السككي، وأُطلق القطار فائق السرعة، إلى جانب بناء السدود ومحطات تحلية المياه وتطوير البنيات الطاقية والرقمية.
ولم تكن هذه المشاريع مجرد منشآت، بل شكلت أدوات لتقليص كلفة النقل، وتحسين جاذبية الاستثمار، وربط الجهات، وتوسيع فرص التنمية.
الطرق السيارة.. ربط المدن وتحريك الاقتصاد
شهدت شبكة الطرق السيارة توسعًا كبيرًا، وأصبحت تربط معظم المدن والأقطاب الاقتصادية الرئيسية، من طنجة إلى أكادير، مرورًا بالرباط والدار البيضاء ومراكش وفاس ووجدة.
كما تم تطوير طرق سريعة ومحاور مدارية وإعادة تأهيل عدد من الطرق الوطنية والجهوية.
وساهمت هذه المشاريع في تقليص مدة التنقل، وتحسين المبادلات التجارية، وخفض تكاليف النقل، وتعزيز الربط بين مختلف جهات المملكة.
البراق.. أول قطار فائق السرعة في إفريقيا
دخل المغرب التاريخ سنة 2018 بإطلاق القطار فائق السرعة «البراق»، ليصبح أول بلد إفريقي يشغل هذا النوع من القطارات.
وساهم المشروع في اختصار مدة السفر بين طنجة والدار البيضاء، وتعزيز الربط بين الأقطاب الاقتصادية، وتطوير النقل السككي.
كما تتواصل مشاريع توسيع الشبكة وتحديثها، في إطار رؤية تستهدف مواكبة التحولات الحضرية والاقتصادية والاستعداد للاستحقاقات الدولية المقبلة.
الموانئ والمطارات.. بوابات المغرب إلى الأسواق العالمية
شهد القطاع المينائي طفرة كبيرة بفضل تطوير ميناء طنجة المتوسط، ومواصلة إنجاز ميناء الناظور غرب المتوسط، وتحديث عدد من الموانئ التجارية والصيدية والسياحية.
وفي المجال الجوي، عرفت مطارات الدار البيضاء ومراكش وأكادير وطنجة وفاس والرباط ومدن أخرى عمليات توسعة وتأهيل وتحسين للخدمات.
وتواكب هذه الاستثمارات النمو السياحي والاقتصادي، وتعزيز الربط الدولي، والاستعداد لاستقبال أعداد متزايدة من المسافرين والمستثمرين.
الأمن المائي.. من بناء السدود إلى تحلية مياه البحر
في ظل توالي سنوات الجفاف وارتفاع الضغط على الموارد المائية، جعل الملك محمد السادس قضية الماء أولوية وطنية واستراتيجية.
وشهد المغرب إطلاق مشاريع كبرى لبناء السدود، والربط بين الأحواض المائية، وإنجاز محطات لتحلية مياه البحر، وتطوير إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة.
ويمثل هذا الورش أحد أهم رهانات المستقبل، بالنظر إلى ارتباط الماء بالأمن الغذائي، والتنمية الفلاحية، وتزويد المدن، واستمرار النشاط الصناعي.
المنشآت الرياضية.. الرياضة بوابة للإشعاع والتنمية
شهدت البنية التحتية الرياضية تطورًا متسارعًا من خلال بناء وتأهيل الملاعب الكبرى، وتحديث مراكز التكوين، وإنجاز القاعات والمرافق متعددة الاستعمالات.
وتتواصل هذه الأوراش في إطار استعداد المغرب للاستحقاقات الرياضية القارية والعالمية، وفي مقدمتها تنظيم كأس العالم 2030 بشراكة مع إسبانيا والبرتغال.
ولا يقتصر الرهان على الجانب الرياضي، بل يشمل تطوير السياحة، وتحفيز الاستثمار، وتحسين البنيات الحضرية، وتعزيز الإشعاع الدولي للمملكة.
دبلوماسية ملكية متجددة.. من الدفاع عن المصالح إلى توسيع النفوذ
شهدت الدبلوماسية المغربية خلال عهد الملك محمد السادس تحولًا استراتيجيًا، اتسم بتنويع الشراكات، وتعزيز الحضور في إفريقيا، وربط السياسة الخارجية بالتنمية الاقتصادية والأمن الإقليمي.
وقامت هذه الرؤية على الدفاع عن المصالح العليا للمملكة، وفي مقدمتها قضية الوحدة الترابية، مع توسيع شبكة العلاقات الدولية والحفاظ على التوازن في الشراكات.
قضية الصحراء المغربية.. مكاسب دبلوماسية متواصلة
احتلت قضية الصحراء المغربية صدارة التحرك الدبلوماسي خلال العهد الجديد.
وشهد الملف توسع دائرة الدول الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي، وافتتاح قنصليات عامة في مدينتي العيون والداخلة، إلى جانب تطور مواقف عدد من الشركاء الدوليين.
وعززت هذه التحولات الزخم الدبلوماسي للمملكة، ورسخت مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها مقترحًا جديًا وواقعيًا وذا مصداقية لتسوية النزاع.
العودة إلى الاتحاد الإفريقي.. استعادة العمق القاري
شكلت عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017 محطة مفصلية في السياسة الخارجية للمملكة، بعد غياب دام أكثر من ثلاثة عقود.
ومنذ ذلك الحين، عزز المغرب حضوره داخل المؤسسات الإفريقية، ووسع استثماراته في عدد من الدول، وأطلق مبادرات للتعاون في مجالات الفلاحة والطاقة والتكوين والبنيات التحتية.
كما ساهمت المبادرات المغربية في مجالات الهجرة والأمن الغذائي والتنمية في تعزيز صورة المملكة كشريك إفريقي يقوم على التعاون والمصالح المشتركة.
الدبلوماسية الاقتصادية.. الاستثمار جسر للتقارب
حرص الملك محمد السادس على جعل الاقتصاد ركيزة أساسية في السياسة الخارجية.
ورافقت الزيارات الملكية إلى عدد من الدول توقيع اتفاقيات استثمارية ومشاريع تنموية، فيما توسعت أنشطة الشركات المغربية في قطاعات الأبناك والاتصالات والطاقة والأسمدة والخدمات.
وساهم هذا الحضور في تعزيز العلاقات السياسية، وخلق روابط اقتصادية متبادلة، وتحويل التعاون إلى مشاريع ملموسة.
القوات المسلحة الملكية.. تحديث مستمر لتعزيز الأمن والجاهزية
بالتوازي مع التحرك الدبلوماسي، شهدت القوات المسلحة الملكية عملية تحديث متواصلة شملت مختلف الأفرع العسكرية.
وتضمن هذا المسار تطوير القدرات الجوية والبرية والبحرية، وتعزيز منظومات المراقبة والاستطلاع والقيادة، وتحسين التكوين والتدريب، ورفع مستوى الجاهزية.
كما اتجه المغرب إلى تطوير قاعدة صناعية دفاعية وطنية، من خلال تشجيع الاستثمار واستقطاب الشركات المتخصصة، بهدف دعم الإنتاج والصيانة ونقل الخبرات.
ويأتي هذا التوجه في سياق دولي يتزايد فيه الاهتمام بالأمن الاستراتيجي وتعزيز الاستقلالية الصناعية.
شراكات أمنية وتدريبات متعددة الجنسيات
واصلت القوات المسلحة الملكية تعزيز تعاونها مع عدد من الجيوش الصديقة، من خلال المشاركة في مناورات وتدريبات مشتركة.
ويُعد تمرين «الأسد الإفريقي» من أبرز هذه المناورات، باعتباره واحدًا من أكبر التدريبات متعددة الجنسيات في القارة، ويهدف إلى رفع الجاهزية وتبادل الخبرات وتعزيز القدرة على العمل المشترك.
كما توسع التعاون في مجالات مكافحة الإرهاب، وأمن الحدود، والأمن السيبراني، وتبادل المعلومات.
من دولة المشاريع إلى دولة الرؤية
بعد سبعة وعشرين عامًا، لم يعد المغرب يعيش مرحلة إطلاق مشاريع متفرقة، بل أصبح يمتلك رؤية تنموية أكثر تكاملًا.
فالموانئ تخدم الصناعة والتصدير، والطرق والسكك تربط الجهات والأسواق، والاستثمارات تخلق فرص الشغل، والحماية الاجتماعية تعزز الاستقرار، والتعليم والصحة يبنيان الرأسمال البشري، والدبلوماسية تفتح آفاق التعاون، فيما توفر القدرات الدفاعية مقومات الأمن.
وهكذا، أصبحت مختلف الأوراش مترابطة داخل مشروع وطني يسعى إلى بناء مغرب أكثر تنافسية وإنصافًا، وأكثر قدرة على مواجهة التحولات الاقتصادية والمناخية والاجتماعية.
غير أن حجم الإنجازات لا يلغي استمرار عدد من التحديات، وفي مقدمتها البطالة، وتحسين جودة التعليم والصحة، وتقليص الفوارق المجالية، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وضمان الاستدامة المائية.
وتظل المرحلة المقبلة مرتبطة بقدرة المؤسسات على رفع فعالية السياسات العمومية، وتحويل الاستثمارات إلى فرص حقيقية، وتحسين جودة الخدمات، وضمان استفادة مختلف المواطنين والجهات من ثمار التنمية.
27 عامًا.. الإنسان في قلب مشروع المغرب
في الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد، تبرز حصيلة عهد الملك محمد السادس باعتبارها مسارًا وطنيًا متكاملًا جمع بين الإصلاح الاجتماعي، والتحول الاقتصادي، وتحديث البنيات التحتية، وتعزيز الحضور الدبلوماسي، وتطوير القدرات الدفاعية.
فقد انتقل المغرب من معالجة مظاهر الهشاشة إلى بناء منظومة للحماية الاجتماعية، ومن اقتصاد تقليدي إلى قاعدة صناعية ولوجستية متقدمة، ومن بنية تحتية محدودة إلى شبكة حديثة من الطرق والموانئ والسكك والمطارات، ومن حضور خارجي تقليدي إلى دبلوماسية أكثر تنوعًا وتأثيرًا.
لكن جوهر هذا التحول ظل مرتبطًا بفكرة مركزية واحدة: التنمية لا تُقاس فقط بحجم الاستثمارات أو عدد المشاريع، بل بقدرتها على تحسين حياة الإنسان، وصون كرامته، وتوسيع فرصه في التعليم والصحة والشغل والسكن.
وبينما يدخل المغرب مرحلة جديدة من تاريخه، تظل الدولة الاجتماعية، والعدالة المجالية، والاستثمار في الرأسمال البشري، من أهم ركائز مشروع المستقبل.
إنها سبعة وعشرون عامًا من التحولات، انتقل خلالها المغرب من منطق بناء المشاريع إلى بناء رؤية، ومن معالجة الحاجيات الآنية إلى التخطيط لمستقبل أكثر استدامة، ومن اقتصاد يبحث عن موقعه إلى دولة تسعى إلى ترسيخ مكانتها كقوة إقليمية صاعدة.
وفي قلب هذه المسيرة، بقي الإنسان محور المشروع التنموي، والكرامة أساس السياسات العمومية، والتنمية الشاملة خيارًا استراتيجيًا لمغرب يتطلع إلى أفق 2030 وما بعده.
بقلم : ذ عادل العسولي














