ويتعلق الأمر بالفرنسي يان فيزيلييه (Yann Vézilier)، البالغ من العمر 45 عاماً، والذي كان يعمل رسمياً بصفة سكرتير ثانٍ في السفارة الفرنسية بالعاصمة باماكو، بينما كان في الواقع ضابطاً في جهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسية، وفق ما أوردته الصحيفة الفرنسية.
وجاء الإفراج عنه بموجب عفو رئاسي أصدره الجنرال عاصيمي غويتا، رئيس المجلس العسكري الحاكم في مالي، مع قرار إبعاده فوراً من الأراضي المالية. وأكدت الحكومة المالية أن العفو لا يلغي الحكم القضائي الصادر في حقه ولا الوقائع التي أقرتها المحكمة.
وكان فيزيلييه قد اعتُقل في باماكو يوم 14 غشت 2025 من طرف أجهزة الاستخبارات المالية، ضمن حملة شملت أيضاً عدداً من العسكريين والمسؤولين الماليين، على خلفية اتهامات تتعلق بما وصفته السلطات المالية بـ**«محاولة لزعزعة استقرار النظام»**.
كما اتهمته السلطات المالية، وفق المعطيات التي نقلتها «لوموند» عن مصادرها، بالتعاون مع جبهة تحرير أزواد الناشطة في شمال مالي. غير أن باريس رفضت منذ بداية القضية هذه الاتهامات، واعتبرتها «بلا أساس»، وطالبت بالإفراج عن مواطنها.
وفي 5 يونيو 2026، أصدرت محكمة مالية حكماً بالسجن لمدة 20 عاماً في حق فيزيلييه بتهمة «المساس بأمن الدولة»، وذلك خلال محاكمة مغلقة. ورغم قسوة الحكم، اعتبرت مصادر فرنسية آنذاك أن إنهاء المسار القضائي قد يفتح الباب أمام تسوية سياسية للملف، وهو ما تحقق لاحقاً من خلال العفو الرئاسي.
المغرب في قلب الوساطة
وتبرز النقطة الأكثر أهمية في القضية في الدور الذي نسبته «لوموند» إلى المغرب. فقد وجهت الحكومة المالية، في بلاغها بشأن العفو، الشكر إلى «بلد شقيق» على ما وصفته بـ**«المساعي الحميدة»** التي ساهمت في التوصل إلى هذا الحل، من دون أن تكشف رسمياً عن اسم الدولة.
لكن الصحيفة الفرنسية نقلت عن مصدر عسكري مالي أن المقصود هو المغرب، مؤكدة أن الرباط شاركت في المفاوضات التي أفضت إلى الإفراج عن ضابط الاستخبارات الفرنسي.
ويكتسب هذا الدور أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة العلاقات المعقدة بين فرنسا ومالي منذ وصول العسكريين إلى السلطة سنة 2020، وما أعقب ذلك من تراجع حاد في النفوذ الفرنسي بباماكو، مقابل تعزيز السلطات المالية لشراكاتها مع روسيا.
وفي هذا السياق، أشارت «لوموند» إلى أن احتفاظ المغرب بعلاقات جيدة مع كل من باريس وباماكو جعله من الدول القليلة القادرة على التواصل مع السلطة العسكرية المالية والتأثير فيها.
ولا تبدو الوساطة المغربية، وفق الرواية التي أوردتها الصحيفة الفرنسية، حالة معزولة. فقد سبق للرباط أن ساهمت في الإفراج عن أربعة عناصر من DGSE كانوا محتجزين في بوركينا فاسو لأكثر من سنة، بعدما اعتُقلوا في واغادوغو في دجنبر 2023.
وتعتبر «لوموند» أن هذه السابقة ساهمت في تعزيز الثقة في قدرة المغرب على التواصل مع الأنظمة العسكرية التي برزت في منطقة الساحل خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في ظل التحولات الجيوسياسية والأمنية المتسارعة التي تعرفها المنطقة.
ولم يكن المغرب الطرف الوحيد الذي حاول التدخل في قضية فيزيلييه، إذ تحدثت الصحيفة الفرنسية عن مساعٍ قامت بها قطر والإمارات العربية المتحدة، فضلاً عن تدخل الرئيس الغاني جون دراماني ماهاما، الذي أثار القضية مباشرة مع الجنرال عاصيمي غويتا خلال دجنبر 2025.
غير أن باماكو كانت حريصة، خلال تلك المرحلة، على استكمال المسطرة القضائية قبل الانتقال إلى أي تسوية سياسية، وهو ما يفسر تأخر الوصول إلى حل نهائي للملف.
وبالعفو الصادر عن الرئيس الانتقالي المالي، تنتهي أزمة استمرت قرابة سنة، وكانت واحدة من أكثر القضايا حساسية في العلاقات الفرنسية المالية، خصوصاً بعدما تحولت قضية الضابط الفرنسي إلى جزء من أزمة أوسع مرتبطة بإعادة رسم التحالفات والنفوذ في منطقة الساحل.
وتتجاوز دلالة هذه الوساطة، في حال تأكد الدور المغربي الذي أوردته «لوموند»، حدود الإفراج عن ضابط استخبارات فرنسي، لتطرح مؤشراً جديداً على تنامي حضور الرباط كوسيط قادر على التحرك في ملفات شديدة الحساسية تجمع بين الدبلوماسية والأمن والاستخبارات.
ففي وقت تشهد فيه منطقة الساحل إعادة ترتيب عميقة للتحالفات، وتراجعاً متواصلاً للنفوذ الفرنسي التقليدي، يبدو المغرب، بفضل شبكة علاقاته المتوازنة مع عدد من الأطراف، في موقع يسمح له بلعب أدوار خلف الكواليس وفتح قنوات اتصال يصعب على بعض القوى الغربية الوصول إليها مباشرة.
وبذلك، لا يختصر الإفراج عن يان فيزيلييه في نهاية قضية اعتقال طويلة فحسب، بل يكشف، وفق المعطيات التي أوردتها «لوموند»، عن تحول الوساطة المغربية في الساحل إلى أداة دبلوماسية ذات وزن متزايد، قادرة على التدخل في ملفات حساسة حتى عندما تكون العلاقات بين الأطراف المعنية في واحدة من أكثر مراحلها توتراً.
















