الجواب: لا. المغرب لن يدخل في ظلام شامل، لأن الكهرباء المغربية لا تعتمد على الغاز وحده. المملكة تتوفر على مصادر متعددة لإنتاج الكهرباء، بينها الفحم والرياح والطاقة الشمسية والماء والغاز. لكن توقف الغاز سيخلق ضغطاً حقيقياً، خصوصاً على المحطات التي تعتمد عليه، وسيجعل تعويض النقص أكثر صعوبة في فترات ارتفاع الطلب.
لكن إذا لم تكن إسبانيا قادرة على إطفاء المغرب، فلماذا أصبحت مهمة في قصة الغاز المغربي أصلاً؟
لأن المغرب لا يحتاج إلى إسبانيا لشراء الغاز، وإنما يحتاج حالياً إلى جزء من البنية التحتية الإسبانية حتى يصل الغاز إلى المغرب. فمنذ توقف الغاز الجزائري عبر أنبوب المغرب العربي–أوروبا، أصبح المغرب يستورد الغاز الطبيعي المسال من السوق الدولية، ويُعاد تغويز جزء منه في إسبانيا قبل ضخه نحو المغرب عبر الأنبوب نفسه في الاتجاه المعاكس.
إذن أين تكمن المشكلة الحقيقية؟
المشكلة ليست في وجود الغاز، وإنما في طريق وصوله. يستطيع المغرب شراء الغاز من الولايات المتحدة أو قطر أو غيرهما، لكن إذا احتاج إلى استعمال منشآت إسبانية لتغويزه وضخه، فإن جزءاً من أمنه الطاقي يصبح مرتبطاً ببنية تحتية خارج حدوده.
وهل يمكن لإسبانيا أن تستعمل هذه الورقة ضد المغرب؟
نظرياً، توقف هذا المسار سيضر بالمغرب، خصوصاً محطات الكهرباء التي تعتمد على الغاز. لكن عملياً لا توجد معطيات تثبت أن إسبانيا قررت استعمال الغاز كسلاح ضد المغرب بسبب الأزمة الحالية بين البلدين، كما أن انخفاض تدفقات الغاز الأخيرة لا يثبت وحده وجود قرار سياسي إسباني بقطع الإمدادات.
وهنا يظهر السؤال الذي يجعل قصة محطة الناظور أكثر إثارة: لماذا كان المغرب يريد بناء محطة LNG خاصة به؟
لأن الهدف ببساطة هو إنهاء هذه الحلقة. محطة الناظور ستسمح باستقبال الغاز الطبيعي المسال مباشرة في المغرب، ثم تخزينه وإعادة تغويزه وضخه في شبكة وطنية، وبالتالي يستطيع المغرب شراء الغاز من السوق العالمية دون أن يحتاج إلى محطة تغويز في دولة أخرى.
وكم كان يفترض أن تكون قدرة هذه المحطة؟
حوالي 5 مليارات متر مكعب سنوياً، وهو رقم كبير يجعل المشروع أحد أهم مكونات البنية التحتية الغازية التي كان المغرب يخطط لها.
لكن هنا تبدأ المفاجأة: ماذا حدث لمحطة يفترض أنها مرتبطة بالسيادة الطاقية؟
ترأس الملك محمد السادس في 28 يناير 2026، اجتماعاً حول مشروع الناظور غرب المتوسط، وتم تقديم محطة LNG باعتبارها أول محطة من نوعها في المملكة، بطاقة 5 مليارات متر مكعب سنوياً، ضمن المنظومة الطاقية للميناء، وباعتبارها استجابة لمتطلبات السيادة الطاقية. ثم بعد أربعة أيام فقط، في 2 فبراير، أعلنت وزارة الانتقال الطاقي تعليق مسطرة المنافسة المتعلقة بمحطة LNG وشبكة أنابيب الغاز.
ليتم طرح سؤال مهم هل تم إلغاء المشروع؟
الاجابة لا. وهذه نقطة مهمة جداً. الوزارة لم تعلن إلغاء المحطة، وإنما قالت إن هناك «معطيات وفرضيات جديدة» مرتبطة بالمشروع.
لكن ما هي هذه المعطيات التي ظهرت فجأة؟
هنا تدخل الوثائق التي كشفتها التحقيقات الصحفية. فالمعلومات التي نقلتها رويترز ومصادر اقتصادية مغربية تشير إلى وجود تحفظات من وزارة الاقتصاد والمالية على الطريقة التي كان سيُنجز بها المشروع، خصوصاً نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتوزيع المخاطر، والالتزامات المحتملة على المالية العمومية، إضافة إلى جوانب قانونية وتنظيمية مرتبطة بسوق الغاز.
يعني هل كانت المشكلة في المحطة نفسها؟
يبدو أن المشكلة الأساسية كانت في طريقة إنجازها وتمويلها وإدارتها، وليس في مبدأ إنشاء محطة LNG.
والسؤال هنا يصبح أخطر: إذا كانت المحطة ضرورية للسيادة الطاقية، فلماذا لم يتم الاتفاق منذ البداية على صيغة مالية وقانونية واضحة؟
وهل كان اجتماع 28 يناير هو الذي تسبب في التأجيل؟
لا توجد وثيقة رسمية تقول ذلك. بل إن البلاغ الملكي لم يأمر بتأجيل المحطة، وإنما أكد أهميتها ودعا إلى اتخاذ الإجراءات الضرورية لإنجاز المشروع في أفضل الظروف.
وهنا تظهر أكثر الروايات إثارة للجدل: هل عزيز أخنوش هو المستفيد من التأجيل؟
صحيح أن لعائلة أخنوش مصالح تجارية موثقة في قطاع الغاز، كما أن شركات مرتبطة بها تنشط في سوق الغاز بالمغرب، وهناك علاقات تجارية موثقة مع مشروع تندرارة.
لكن هل يعني ذلك أن رئيس الحكومة هو الذي أوقف محطة الناظور؟
وهل صحيح أنه يتحكم في جميع عقود شراء الغاز وتغويزه وبيعه للمغرب؟
لا. هذه أيضاً معلومات غير دقيقة وفق المعطيات المتاحة. فهناك عقود غاز أبرمتها مؤسسات الدولة، ومن بينها اتفاقات مع شركات دولية مثل Shell، ولا يمكن اختزال السوق الغازية المغربية كلها في شركة أو مجموعة واحدة.
لكن هل هذا يعني أنه لا توجد مشكلة تضارب مصالح محتملة؟
وجود مصالح تجارية مرتبطة بعائلة مسؤول سياسي في قطاع استراتيجي يجعل الشفافية والرقابة أمراً ضرورياً، لكنه لا يحول تلقائياً الشبهة إلى دليل إدانة.
إذن من المستفيد من تأخير المشروع؟
حتى الآن، لا يمكن تسمية مستفيد تجاري محدد. الصيغة الجديدة للمشروع لم تُحسم بعد، وبالتالي فإن أي شخص يقدم اسماً باعتباره «المستفيد» سيكون قد سبق الأحداث.
وما الذي يجب أن نراقبه عندما يعاد إطلاق المشروع؟
هنا يمكن للرأي العام أن يحصل على الجواب الحقيقي: من سيمول؟ من سيشغل؟ من سيملك؟ من سيفوز بالصفقة؟ ما هي الضمانات التي ستقدمها الدولة؟ من سيتحمل خسائر انخفاض الطلب أو ارتفاع الأسعار؟ ومن هم المالكون الحقيقيون للشركات المتنافسة؟
وهل يمكن منع تضارب المصالح؟
نعم، إذا كانت الدولة تريد إغلاق باب الشكوك فعليها أن تجعل المنافسة شفافة: شروط معلنة، معايير واضحة، كشف المستفيدين الفعليين، إعلان الشركة الفائزة، ووضوح كامل بشأن الضمانات والالتزامات المالية للدولة.
لكن ماذا عن الأزمة الحالية بين المغرب وإسبانيا؟ أليست هي أخطر عنصر في القصة؟
هي بالتأكيد تجعل الملف أكثر حساسية. فكلما ارتفع التوتر بين البلدين، أصبح الاعتماد على منشآت استراتيجية موجودة في الأراضي الإسبانية أقل راحة من الناحية الاستراتيجية. لكن حتى الآن لا يوجد دليل موثوق يثبت أن مدريد تستعمل ورقة الغاز أي توقيف التغويز عن المغرب بسبب الأزمة الحالية.
وهنا نصل إلى الحقيقة التي تختفي خلف الدعاية: المغرب لا يخاف من أن تطفئ إسبانيا الكهرباء عنه بقرار واحد، لكنه يريد ألا يضطر أصلاً إلى وضع أمنه الطاقي في وضع يمكن أن يتأثر بقرار يصدر خارج حدوده.
ولهذا فإن محطة الناظور ليست مجرد مشروع غاز. إنها اختبار حقيقي لمعنى السيادة الطاقية.
وهنا وجب طرح السؤال الأخطر: «علاش المغرب مازال محتاج البنية التحتية الإسبانية لإدخال جزء من الغاز الذي يشتريه من السوق الدولية، وماذا حدث بالضبط في هذا المشروع المهم؟».
وهل «عندما تعود محطة الناظور إلى المنافسة، هل ستكون الصفقة مصممة فعلاً لحماية المال العام والسيادة الطاقية، أم ستفتح الباب أمام مستفيدين تجاريين محددين؟»
هنا بالضبط يجب أن تكون الإجابة بالوثائق والأرقام والعقود، لا بالإشاعات ولا بالتخويف.
لأن المغرب لن يُطفأ بقرار إسباني واحد… لكن استقلاله الطاقي لا يجب أن يبقى رهيناً ببنية تحتية موجودة خارج حدوده.