يهدف الاجتماع، الذي جمع نحو خمسين دولة، إلى تنسيق الجهود الدولية لإعادة إعمار القطاع، وضمان بيئة أمنية مستقرة تمهّد لمسار سياسي مستدام. ومثّل بوريطة المملكة المغربية باسم جلالة الملك، في خطوة تعكس انخراط الرباط الفاعل في المبادرات الدولية الرامية إلى إنهاء دوامة العنف وإحياء أفق السلام في الشرق الأوسط.
تقوم المقاربة المغربية، تحت قيادة الملك محمد السادس، على ربط إعادة الإعمار بالحل السياسي الشامل، وفق رؤية متكاملة تعتبر أن تثبيت وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، ودعم المؤسسات الوطنية الفلسطينية، شروط أساسية لإطلاق مسار سلام جدي قائم على حل الدولتين.
ولا تنفصل هذه الرؤية عن الثوابت الدبلوماسية للمملكة، التي تؤكد باستمرار دعمها لحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة، وضرورة إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، في إطار حل تفاوضي يضمن الأمن والاستقرار لجميع الأطراف.
إلى جانب الموقف السياسي، أعلنت المملكة استعدادها للمساهمة عمليًا في جهود إعادة الإعمار، من خلال تقديم مساهمات مالية لدعم جهود البناء وإعادة تأهيل البنية التحتية. والمشاركة في دعم المؤسسات الأمنية الفلسطينية عبر برامج تدريب وتأهيل. بلإضافة إلى الانخراط ضمن القوة الدولية للاستقرار (ISF) التي طُرحت خلال الاجتماع، بما يهدف إلى توفير بيئة آمنة تُمكّن من تنفيذ مشاريع الإعمار.
ويُنظر إلى هذا الانخراط باعتباره انتقالًا من دبلوماسية الدعم السياسي إلى دبلوماسية الفعل الميداني، بما يعزز موقع المغرب كفاعل إقليمي في قضايا السلم والأمن.
وتندرج المشاركة المغربية في مجلس السلام ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى ترسيخ موقع المملكة كوسيط موثوق وشريك مسؤول في قضايا الشرق الأوسط. فالمغرب، الذي حافظ على توازن دقيق في علاقاته الدولية، يسعى إلى توظيف هذا الرصيد الدبلوماسي لخدمة الاستقرار الإقليمي، مع التأكيد أن أي مسار لإعادة إعمار غزة يجب أن يكون جزءًا من رؤية سياسية شاملة.
وتحرص الرباط في هذا السياق، على أن تبقى المبادرات الدولية، بما فيها مجلس السلام، منسجمة مع الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة، وألا تتحول إلى بديل عن المسار الأممي، بل إلى رافعة داعمة له.
وبالرغم من الزخم الدولي، تظل التحديات قائمة، وفي مقدمتها استمرار الانقسام الفلسطيني، وتعقيدات الملف الأمني، ومسألة إدارة القطاع في مرحلة ما بعد الحرب. كما أن نجاح أي قوة دولية للاستقرار سيبقى رهينًا بقبول الأطراف الفلسطينية وضمانات سياسية واضحة.
وتتيح المبادرة في المقابل فرصة لإعادة ترتيب المشهد الفلسطيني عبر دعم المؤسسات الشرعية، وتعزيز قدراتها الأمنية والإدارية، وتهيئة الظروف لإطلاق حوار فلسطيني داخلي يُفضي إلى لمّ الشمل وتوحيد الصف.
كما تعكس مشاركة المغرب في اجتماع مجلس السلام بواشنطن تحركًا دبلوماسيًا محسوبًا، يستند إلى رؤية ملكية تعتبر أن إعادة إعمار غزة ليست هدفًا إنسانيًا فحسب، بل مدخلًا لإحياء مسار سياسي شامل يضمن السلام الدائم ولمّ الشمل الفلسطيني.
وبين الالتزام السياسي والمساهمة العملية، تؤكد المملكة، بقيادة الملك محمد السادس، سعيها إلى تحويل الدعم إلى أثر ملموس على الأرض، بما يعزز الاستقرار ويعيد فتح أفق التسوية في واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في المنطقة.
بقلم : ذ عادل العسولي









