ولم يكن مطلب استرجاع سبتة ومليلية المحتلتين مجرد موقف رمزي، إذ انتقل مبكراً إلى أروقة الأمم المتحدة. ففي سنة 1960، أكد المغرب أمام اللجنة الرابعة أن المدينتين، إلى جانب إفني والصحراء وباقي المناطق الخاضعة للإدارة الإسبانية، تدخل ضمن مجال وحدته الترابية، مطالباً بإخضاعها لمنطق إنهاء الاستعمار.
غير أن الأمم المتحدة لم تتعامل مع المدينتين المغربيتين المحتلتين بالطريقة نفسها التي عالجت بها ملفي إفني والصحراء، بينما تمسكت إسبانيا بأن المدينتين جزء من أراضيها الوطنية. وهكذا، نشأ تباين بين الرؤية المغربية التي تعتبرهما جزءاً من أراضيها التاريخية، والموقف الإسباني الذي ينفي وجود نزاع حول السيادة عليهما.
وفي سنة 1975، انتقل المغرب إلى خطوة أكثر وضوحاً، وطالب رسمياً، عبر الوثيقة الأممية A/AC.109/475، بإدراج سبتة ومليلية وصخرة الحسيمة وصخرة باديس وجزر الجعفريات ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، باعتبارها، بقايا للوجود الاستعماري الإسباني في شمال المملكة المغربية.
وبالرغم من عدم إدراج هذه المناطق ضمن منظومة الأمم المتحدة لتصفية الاستعمار لم تسقط المطالبة المغربية، بل قامت الرباط تدريجياً إلى نقل الملف من محاولة التدويل إلى منطق الحوار والتفاوض مع إسبانيا. وفي سنة 1999، اقترح المغرب إنشاء لجنة مشتركة للبحث عن تسوية نهائية لإحتلال المدينتين والجزر المجاورة، في إشارة إلى تفضيل معالجة القضية بالوسائل السياسية والسلمية.
ومع مرور السنوات، ظل الملف حاضراً في الخلفية، بينما ركز المغرب على استكمال وحدته الترابية في الجنوب وتعزيز موقعه الإقليمي والدولي. غير أن التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة أعادت طرح سؤال الثغور من زاوية مختلفة: هل يمكن أن تتحول القوة المتنامية للمغرب إلى عنصر جديد في معادلة استرجاع أراضيه المحتلة؟
فالمغرب ففي عهد الملك محمد السادس لم يعد الدولة نفسها التي كانت تطرح ملف سبتة ومليلية داخل الأمم المتحدة خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. فقد عززت المملكة حضورها الاقتصادي في إفريقيا، وسع شبكة شراكاته الدولية، ورسخ مكانتها كفاعل أمني أساسي في غرب المتوسط ومنطقة الساحل، كما طورت قدراتها الدفاعية ورفعت مستوى التكامل العسكري مع شركائها الاستراتيجيين.
وتكتسي الشراكة المغربية–الأمريكية بالخصوص أهمية خاصة في هذا التحول، إذ تنظر واشنطن إلى المغرب باعتباره شريكاً رئيسياً في مكافحة الإرهاب وتعزيز الاستقرار الإقليمي. كما يعكس إطلاق خارطة الطريق الدفاعية للفترة 2026–2036 مستوى متقدماً من التعاون العسكري وتبادل الخبرات وتطوير القدرات.
وفي المقابل، تعيش العلاقات بين واشنطن ومدريد مرحلة من التوتر السياسي، في ظل خلافات مرتبطة بالإنفاق الدفاعي والسياسات الدولية ومواقف الحكومة الإسبانية. وقد استغل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أزمة الهجرة الأخيرة في سبتة المحتلة لتوجيه انتقادات حادة إلى السياسات الإسبانية، من دون أن يعلن موقفاً رسمياً مؤيداً للمطالب المغربية بشأن السيادة على المدينتين.
وتزداد أهمية هذا المعطى بالنظر إلى العلاقات القوية التي تجمع المغرب بالإدارة الأمريكية، وإلى الدعم الذي قدمته واشنطن للموقف المغربي بشأن الصحراء المغربية. غير أن الانتقال من الاعتراف بسيادة المغرب على الصحرائه إلى تبني موقف مماثل بشأن سبتة ومليلية يظل خطوة مختلفة سياسياً وقانونياً.
أما في الجانب الإسرائيلي، فقد أدى تدهور العلاقات بين تل أبيب ومدريد التي تحاول إستغلال الورقة الفلسطينية لأسباب سياسية، إلى بروز تصريحات تنتقد استمرار الإحتلال الإسباني لمناطق من شمال إفريقيا. وأعاد السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة داني دانون تسليط الضوء على ما وصفه بالجيوب الاستعمارية الإسبانية في إفريقيا، في خطاب حمل انتقاداً واضحاً لمدريد.
غير أن هذه التصريحات لا تمثل، في حد ذاتها، اعترافاً إسرائيلياً رسمياً بسيادة المغرب على سبتة ومليلية، ما يفرض التمييز بين الخطاب السياسي المرتبط بالخلاف مع إسبانيا وبين تبني موقف رسمي من قضية السيادة.
ومع ذلك، فإن التقاء ثلاثة تحولات كبرى يخلق بيئة سياسية مختلفة: صعود القوة المغربية، وتعزز الشراكة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وتراجع مستوى الانسجام السياسي بين إسبانيا وبعض حلفائها الغربيين. وهذه المتغيرات لا تعني أن ملف الثغور المغربية المحتلة دخل مرحلة الحسم، لكنها قد تجعل تجاهله أكثر صعوبة من السابق.
ولا ينبغي في هذا السياق، اختزال القوة العسكرية المغربية في احتمال اللجوء إلى المواجهة. فوظيفة القوة في العلاقات الدولية لا تقتصر على الحرب، بل تشمل الردع، وحماية المصالح، وتعزيز النفوذ، وتحسين شروط التفاوض. وكلما ازدادت مكانة المغرب الاقتصادية والدبلوماسية والدفاعية، ارتفعت قدرته على تحويل مطالبه التاريخية من ملفات مؤجلة إلى قضايا قابلة للنقاش السياسي.
وبين وثائق الأمم المتحدة وتحولات القوة الجديدة، يظل الثابت أن المغرب لم يتخل عن مطلب استكمال وحدته الترابية. أما المتغير، فهو أن المملكة تدخل اليوم هذه المرحلة بوزن سياسي وعسكري ودبلوماسي أكبر، وبشبكة تحالفات أوسع، وبقدرة متزايدة على إعادة ترتيب أولوياتها الوطنية.
ويبقى السؤال السياسي مفتوحاً: هل تمهد التحولات الحالية لعودة ملف إحتلال سبتة ومليلية إلى صدارة الأجندة المغربية–الإسبانية، أم أن الرباط ستواصل إدارة القضية بمنطق التدرج الاستراتيجي، في انتظار لحظة دولية أكثر ملاءمة؟
يبدو في كلتا الحالتين، أن ملف الثغور المحتلة لم يُغلق، وأن انتقال المغرب من مرحلة المطالبة التاريخية إلى مرحلة بناء القوة الشاملة قد يمنح القضية مستقبلاً أبعاداً جديدة، عنوانها أن استكمال الوحدة الترابية لم يعد يُقرأ بالذاكرة وحدها، بل أيضاً بموازين النفوذ والتحالفات وقدرة الدولة على تحويل الحق التاريخي إلى مشروع سياسي قابل للتفاوض.
بقلم : ذ عادل العسولي














