فالاحتفال بسبعين سنة من عمر القوات المسلحة الملكية ليس مجرد استحضار لقرار التأسيس الذي اتخذه جلالة المغفور له محمد الخامس بعيد الاستقلال من أجل بناء جيش وطني موحد يحمي السيادة الناشئة، بل هو قبل كل شيء مناسبة لقراءة التحول الجذري الذي قاده الملك محمد السادس، والذي نقل المؤسسة العسكرية المغربية من إطارها التقليدي المرتبط أساساً بالدفاع الكلاسيكي عن الحدود، إلى منظومة استراتيجية شاملة متعددة الوظائف، تتداخل فيها القوة الدفاعية مع التنمية الوطنية، ويتكامل فيها الأمن العسكري مع الأمن الإنساني، وتتزاوج فيها الجاهزية العملياتية مع الرعاية الاجتماعية والتفوق التكنولوجي.
لقد أسس الملك محمد السادس، منذ اعتلائه العرش، لمقاربة جديدة في فهم القوة العسكرية، تقوم على أن الجيش الحديث لم يعد مجرد مؤسسة تحمل السلاح، بل أصبح ركيزة مركزية في مشروع الدولة الحديثة، بما يعنيه ذلك من تحديث للعقيدة العسكرية، وإعادة هيكلة للمنظومات الدفاعية، ورفع مستوى التأهيل البشري، وتطوير البنية الاجتماعية للعسكريين، والانفتاح على التحولات العلمية والتكنولوجية العالمية.
ومن خلال هذا التصور، عمل جلالته على تحويل القوات المسلحة الملكية إلى مؤسسة سيادية متكاملة، قادرة ليس فقط على حماية الوحدة الترابية للمملكة والدفاع عن حدودها البرية والبحرية والجوية، بل أيضاً على التفاعل مع التحديات الجديدة التي فرضها القرن الحادي والعشرون، من قبيل الحروب السيبرانية، والتهديدات غير المتماثلة، والإرهاب العابر للحدود، والتغيرات المناخية، والكوارث الطبيعية، والتحولات الجيوسياسية المتسارعة.
ويبرز الأمر اليومي الملكي بوضوح أن هذا التحول لم يكن قائماً على منطق التسلح وحده، بل انطلق من رؤية شمولية تعتبر أن فعالية الجيش تقاس بمدى جاهزيته المؤسسية في مختلف الظروف. فمن جهة، واصل المغرب تحت القيادة الملكية تطوير قدراته الدفاعية بشكل متدرج ومدروس، عبر تحديث مختلف مكونات قواته المسلحة، وتعزيز جاهزيتها، ورفع كفاءتها العملياتية، ومواكبة الدينامية المتسارعة التي تعرفها المنظومات العسكرية الحديثة.
غير أن ما يميز المشروع الملكي هو أن هذا التحديث لم ينحصر في الجانب المادي أو التقني، بل امتد إلى صلب العنصر البشري، باعتباره جوهر المؤسسة العسكرية ومحورها الحقيقي. ولذلك شدد الملك في خطابه على تطوير برامج التكوين والتدريب والتأطير، وعلى تحديث أساليب التدريس، وإدماج العلوم الحديثة، وتعزيز البحث العلمي والتطبيقي، والانخراط القوي في مجالات الذكاء الاصطناعي والرقمنة والأمن السيبراني، بما يجعل من الجيش المغربي مؤسسة تدخل فعلياً عصر “الجيش الذكي”، حيث تصبح المعرفة والتكنولوجيا والتفوق المعلوماتي عناصر حاسمة في معادلة الأمن القومي.
وفي قلب هذه الرؤية، يبرز اهتمام ملكي واضح بالإنسان العسكري، ليس فقط باعتباره مقاتلاً، بل مواطناً له حقوقه الاجتماعية والصحية والأسرية. فالخطاب الملكي يقدم صورة دقيقة عن هذا البعد، من خلال التعليمات السامية المتعلقة بإنشاء وتجديد المستشفيات العسكرية في عدد من مدن المملكة، بما يعكس إرادة صريحة لتطوير البنية الصحية الخاصة بالعسكريين والمتقاعدين وذويهم، وضمان شروط عيش تحفظ الكرامة وتكرس الاستقرار. كما أن إطلاق برنامج إضافي يشمل ستين ألف وحدة سكنية على مدى خمس سنوات لفائدة أفراد القوات المسلحة الملكية ليس مجرد إجراء اجتماعي، بل هو جزء من فلسفة ملكية تعتبر أن قوة المؤسسة العسكرية لا تنفصل عن الاستقرار الاجتماعي والنفسي لمنتسبيها، وأن تحسين ظروف العيش هو استثمار مباشر في الجاهزية والانضباط والولاء المؤسساتي.
ومن أبرز ما يميز التجربة المغربية في عهد الملك محمد السادس، هو إعادة تعريف دور الجيش داخل المجتمع، بحيث لم تعد القوات المسلحة الملكية مقتصرة على الوظيفة الدفاعية الصرفة، بل أصبحت فاعلاً مركزياً في الأمن الإنساني وإدارة الأزمات الوطنية. فقد أبرز الخطاب الملكي، بفخر واضح، الأدوار التي اضطلعت بها القوات المسلحة في مواجهة الفيضانات والسيول، وفي عمليات الإنقاذ والإجلاء والإغاثة، وفي نشر المستشفيات العسكرية الميدانية بالمناطق المتضررة أو المعزولة. وهذه المقاربة تكشف عن تحول نوعي عميق، حيث أصبح الجيش المغربي يشكل أحد أعمدة الدولة الاجتماعية في لحظات الأزمات، بما يعزز الثقة الشعبية في المؤسسة العسكرية ويكرس مفهوم “الجيش المواطن”، القادر على الدفاع عن الوطن وخدمة المواطنين في الآن ذاته.
وفي السياق نفسه، تبرز الخدمة العسكرية، كما قدمها الملك، كإحدى الأدوات الاستراتيجية الكبرى لبناء المواطن المغربي الجديد، إذ لم تعد مجرد واجب وطني أو محطة ظرفية، بل تحولت إلى مشروع متكامل لصناعة الانضباط، وترسيخ المواطنة، وتعزيز روح الانتماء، وتوفير التأهيل المهني والتقني للشباب المغربي. ومن خلال تحديث مضامينها وتوسيع شراكاتها مع المؤسسات العمومية، أصبحت الخدمة العسكرية جزءاً من استراتيجية وطنية أشمل لإعداد الشباب لمتطلبات سوق الشغل، وتعزيز رأس المال البشري الوطني، وربط الواجب الوطني بالتأهيل التنموي.
وعلى المستوى الدولي، ينسجم المشروع الملكي لتحديث القوات المسلحة مع رؤية دبلوماسية استراتيجية تجعل من المغرب فاعلاً موثوقاً في محيطه الإقليمي والدولي. فالخطاب الملكي أكد بوضوح استمرار انخراط القوات المسلحة الملكية في الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار، عبر توسيع الشراكات العسكرية الثنائية والمتعددة الأطراف، وتعزيز التعاون مع الشركاء والأصدقاء، بما يرسخ صورة الجيش المغربي كمؤسسة تحظى بالاحترام والمصداقية. وهذا التوجه لا يعكس فقط بعداً تعاونياً، بل يشكل أيضاً وسيلة استراتيجية لنقل الخبرات، وتطوير الكفاءات، والاستفادة من التحولات العالمية في مجالات الدفاع والتكنولوجيا.
إن القراءة الدقيقة لمضامين الأمر اليومي الملكي تكشف أن الملك محمد السادس يقود مشروعاً متكاملاً لتحديث المؤسسة العسكرية على أساس رؤية سيادية بعيدة المدى، تجعل من القوات المسلحة الملكية أحد الأعمدة الكبرى للدولة المغربية الحديثة. فهذا المشروع لا يقوم فقط على تحديث السلاح، بل على تحديث العقيدة، وتطوير الإنسان، وتحصين الجبهة الاجتماعية، وإدماج التكنولوجيا، وتوسيع الشراكات، وربط المؤسسة العسكرية بالتنمية الوطنية والأمن المجتمعي. وبهذا المعنى، فإن ما تحقق خلال العقود الأخيرة يمثل انتقالاً تاريخياً من “جيش الاستقلال” إلى “جيش الدولة الاستراتيجية”، أي من مؤسسة تأسست لحماية السيادة الوطنية بعد الاستعمار، إلى قوة سيادية حديثة تؤدي أدواراً مركبة في الدفاع، والتنمية، والاستقرار، والردع، والابتكار.
وعليه، فإن الذكرى السبعين لتأسيس القوات المسلحة الملكية، كما أرادها الملك محمد السادس، ليست مجرد لحظة احتفاء بالماضي، بل هي إعلان واضح عن مرحلة جديدة من البناء العسكري المغربي، عنوانها الاحترافية الشاملة، والتفوق التكنولوجي، والسيادة المؤسساتية، والارتباط العضوي بين الجيش ومشروع الدولة الحديثة. إنها شهادة على أن المغرب، بقيادة ملكية استراتيجية، لم يعد ينظر إلى جيشه فقط كدرع يحمي الحدود، بل كقوة وطنية متكاملة تساهم في صناعة الاستقرار الداخلي، وترسيخ المكانة الدولية، وتأمين المستقبل، تحت الشعار الخالد الذي يلخص روح الأمة والدولة معاً: الله، الوطن، الملك.
بقلم : ذ عادل العسولي










