وأثارت الواقعة موجة من التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر العديد من المتابعين أن المشهد يجسد معاناة فئة من المواطنين مع الولوج إلى الخدمات الصحية، خاصة في المناطق التي تعاني من خصاص مزمن في الموارد البشرية والتجهيزات الطبية. غير أن تطور الملف كشف عن معطيات أخرى أضافت مزيداً من التعقيد إلى القضية.
وأكدت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، فرع تازة، أن الحادثة تعكس حجم الاختلالات التي يعيشها القطاع الصحي بالإقليم، معتبرة أن وفاة المواطن في تلك الظروف تطرح أسئلة حقيقية حول واقع الحق في العلاج والحماية الصحية. وفي بلاغ لها، طالبت الجمعية وزارة الصحة والحماية الاجتماعية بفتح تحقيق عاجل، مشيرة إلى أن القطاع الصحي بتازة يواجه تحديات متفاقمة بسبب النقص في الأطر الطبية والتمريضية والتجهيزات الأساسية.
وسجلت الهيئة الحقوقية استمرار الخصاص في عدد من التخصصات الطبية الحيوية، من بينها الطب النفسي وطب الأطفال وطب الأشعة والطب الباطني، إضافة إلى غياب بعض التجهيزات الضرورية، الأمر الذي يدفع العديد من المرضى إلى التوجه نحو مدينة فاس للاستفادة من خدمات وفحوصات غير متاحة محلياً، وهو ما يزيد من الأعباء المالية والاجتماعية على الأسر، خصوصاً الفئات الهشة.
وفي المقابل، قدمت المندوبية الإقليمية للصحة والحماية الاجتماعية بتازة رواية مختلفة بشأن الواقعة، مؤكدة أن المتوفى تم استقباله بقسم المستعجلات وخضع للفحوصات الطبية اللازمة بعد تشخيص معاناته من اضطرابات نفسية وسلوكية حادة. وأوضحت أن المعني بالأمر وُضع تحت المراقبة الطبية، غير أنه كان يغادر فضاء التكفل بشكل متكرر رغم تدخل الأطر الصحية وعناصر الأمن الخاص لإعادته ومتابعة حالته.
وأضافت المندوبية أن الإجراءات كانت جارية من أجل نقله إلى مؤسسة صحية متخصصة في الطب النفسي، قبل أن تتدهور حالته الصحية بشكل مفاجئ، مؤكدة أن الطاقم الطبي تدخل لمحاولة إنعاشه دون أن يتمكن من إنقاذ حياته.
وبين رواية الحقوقيين وتوضيحات السلطات الصحية، دخلت النيابة العامة على خط القضية من خلال فتح تحقيق قضائي وإخضاع الجثة للتشريح الطبي من أجل تحديد الأسباب الحقيقية للوفاة والكشف عن جميع الملابسات المرتبطة بها، في خطوة ينتظر أن تحسم الكثير من التساؤلات التي ما تزال مطروحة حول هذا الملف.
غير أن أهمية القضية لا تكمن فقط في معرفة سبب الوفاة أو تحديد المسؤوليات المحتملة، بل في النقاش الأوسع الذي أعادت إثارته بشأن وضعية القطاع الصحي بإقليم تازة. فالمطالب التي رفعتها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان لا ترتبط بهذه الحادثة وحدها، بل تعكس شكاوى متكررة بشأن الخصاص في الأطر الطبية والتجهيزات، والحاجة إلى تعزيز الخدمات الاستشفائية وتقريبها من المواطنين.
وفي هذا السياق، دعت الجمعية إلى توفير أطباء في تخصصات تعرف خصاصاً حاداً، وتعزيز الموارد البشرية التمريضية، واقتناء جهاز الفحص بالرنين المغناطيسي (IRM)، وضمان إجراء التحاليل البيولوجية الاستعجالية داخل المستشفى الإقليمي، فضلاً عن توفير عدد كاف من سيارات الإسعاف المجهزة للاستجابة للحالات الطارئة.
وأعلنت الجمعية، في خطوة تصعيدية، تنظيم وقفة احتجاجية أمام مستعجلات المستشفى الإقليمي ابن باجة للتنديد بما وصفته بالتدهور المقلق للوضع الصحي بالإقليم، والدعوة إلى تحمل المسؤولية في معالجة الاختلالات التي تؤثر على حق المواطنين في العلاج والرعاية الصحية.
وتكشف هذه الواقعة، بصرف النظر عما ستسفر عنه نتائج التحقيق الرسمي، عن إشكالية أعمق تتعلق بقدرة المنظومة الصحية على الاستجابة لحاجيات المواطنين، خصوصاً في الأقاليم التي تعرف ضغطاً متزايداً على خدماتها الصحية. كما تطرح أسئلة ملحة حول واقع الصحة النفسية بالمغرب، ومدى توفر الإمكانيات الكفيلة بالتكفل بالحالات التي تحتاج إلى رعاية متخصصة ومستمرة.
ويبقى الرهان اليوم معلقاً على نتائج التحقيق القضائي والتشريح الطبي لتحديد الحقيقة الكاملة، غير أن المؤكد هو أن وفاة هذا المواطن تحولت إلى جرس إنذار جديد يسلط الضوء على التحديات التي ما تزال تواجه القطاع الصحي، ويعيد إلى الواجهة مطلب ضمان الحق في العلاج باعتباره حقاً دستورياً لا يقبل التأجيل أو التهاون.










