لم تعد تداعيات موجة العبور الجماعي التي شهدتها الثغر المغربي المحتل (سبتة) نهاية يوليوز مقتصرة على عشرات الوفيات ومئات المهاجرين الذين وجدوا أنفسهم في وضعية هشّة، بل كشفت التحقيقات عن ملف بالغ الخطورة يتعلق باعتداءات جنسية مزعومة، بينها حالات تخص قاصرات مغربيات، في وقت وصلت فيه أحدث المعطيات المتاحة إلى تسجيل 12 قضية أمام القضاء، وسط مخاوف من أن يكون العدد الفعلي للضحايا أكبر بسبب عدم التبليغ.
لكن من بين هذه الملفات، تبرز حالة وصفت بالأخطر، وتتعلق بقاصر يُشتبه في تعرضها لاعتداء جنسي تضمن الإيلاج، وهي واقعة تعامل معها القضاء الإسباني باعتبارها من أخطر القضايا التي ظهرت في أعقاب موجة العبور. كما ارتبط الملف باتهامات أخرى تتعلق باستغلال الضحية في قضية مخدرات، فيما يبقى تحديد المسؤولية الجنائية النهائية من اختصاص القضاء.
وتكتسب هذه القضية خطورتها ليس فقط بسبب طبيعة الاعتداء المزعوم، وإنما لأن الضحية قاصر وفي وضعية هشّة ودون مرافقة أسرية، وهو ما يضعها تحت حماية خاصة بموجب القواعد القانونية المتعلقة بحماية الأطفال، ويجعل أي تقصير في توفير الحماية والرعاية موضع مساءلة جدية.
ولا تقف القضية عند هذه الحالة. فقد تحدثت مصادر إسبانية عن ست قاصرات مهاجرات غير مصحوبات أبلغن عن تعرضهن لاعتداءات جنسية عقب وصولهن إلى سبتة، فيما أشارت معطيات صحية إلى استقبال فتيات صغيرات في المستشفى الجامعي للمدينة على خلفية وقائع يُشتبه في ارتباطها باعتداءات جنسية.
كما كشفت المعطيات القضائية المتعاقبة عن وجود ملفات أخرى تشمل اعتداءات جنسية وملامسات وتحرشاً، ما دفع الشرطة الوطنية والقضاء إلى فتح تحقيقات منفصلة لتحديد ظروف كل واقعة وهوية المشتبه فيهم والمسؤوليات الجنائية المحتملة.
القضية التي وصفت بالأخطر تفرض نفسها في مقدمة المشهد، لأن الأمر يتعلق بقاصر يُشتبه في تعرضها لاعتداء جنسي خطير.
وبحسب المعطيات القضائية المنشورة، فإن هذه القضية كانت ضمن الملفات التي وصلت إلى القضاء عقب موجة العبور، واتخذت السلطات القضائية إجراءات تجاه المشتبه فيه، في انتظار استكمال التحقيقات والمساطر القانونية.
وهنا يجب التشديد على أن وصف الواقعة بأنها اعتداء جنسي مزعوم لا يعني صدور حكم نهائي بالإدانة، كما أن أي مشتبه فيه يظل مستفيداً من قرينة البراءة إلى حين ثبوت مسؤوليته بحكم قضائي نهائي.
لكن في المقابل، فإن كون الضحية قاصراً يجعل واجب السلطات في الحماية أكثر تشدداً، ويطرح سؤالاً أساسياً: هل كانت الإجراءات المتخذة في سبتة كافية لحماية القاصرات غير المصحوبات في الساعات والأيام التي أعقبت موجة العبور؟
خطورة الملف لا تكمن في حالة واحدة فقط. فالمعطيات المنشورة تشير إلى انتقال القضية من وقائع محدودة إلى عدد متزايد من الشكايات والملفات القضائية.
وتحدثت مصادر إعلامية إسبانية عن ست حالات كانت قيد التحقيق في مرحلة سابقة، قبل أن تصل أحدث المعطيات إلى 12 قضية أمام القضاء.
كما سجل مركز الأزمات المتخصص في استقبال ضحايا العنف الجنسي ارتفاعاً لافتاً في الحالات بعد موجة العبور، بعدما كان قد بدأ العمل قبل الأزمة بفترة قصيرة. وتؤكد هذه المعطيات أن المدينة واجهت، إلى جانب الضغط المرتبط بالهجرة والإيواء، حاجة متزايدة إلى حماية النساء والقاصرات من العنف والاستغلال.
هنا تنتقل القضية من مجرد متابعة جنائية للأفراد إلى سؤال أوسع يتعلق بمسؤولية الدولة في حماية الأطفال الموجودين تحت ولايتها.
فالقاصر غير المصحوبة لا تستطيع، بحكم سنها ووضعيتها، تحمل مسؤولية حماية نفسها في بيئة مضطربة، وبالتالي يقع على السلطات المختصة واجب توفير مكان آمن، ومراقبة فعالة، ورعاية صحية ونفسية، وآليات واضحة للتبليغ عن أي خطر أو اعتداء.
وإذا أثبتت التحقيقات وجود حالات اعتداء وقعت في فضاءات أو ظروف كانت السلطات على علم بمخاطرها، أو ثبت وجود إهمال أو تقصير في إجراءات الحماية والرعاية، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام بحث المسؤولية القانونية أو الإدارية للجهات المختصة، كل بحسب اختصاصه ودوره.
وهذا لا يعني تحميل السلطات مسؤولية الجرائم التي ارتكبها أفراد بشكل تلقائي، بل يعني مساءلتها عن مدى وفائها بواجب الحماية المفروض عليها تجاه القاصرين الموجودين تحت رعايتها.
الأكثر إثارة للقلق أن الرقم المعلن، أي 12 قضية، لا يمكن اعتباره حصيلة نهائية لجميع الوقائع.
فبعض الضحايا قد لا يملكن القدرة أو الشجاعة على التبليغ، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقاصرات مهاجرات غير مصحوبات، أو بأشخاص يعيشون ظروفاً نفسية واجتماعية بالغة الصعوبة.
ولهذا فإن حجم القضية الحقيقي لن يتضح إلا بعد انتهاء التحقيقات، وجمع إفادات الضحايا، وفحص الملفات الطبية والقضائية، والتحقق من كل بلاغ على حدة.
كما أن تسجيل شكاية لا يعني ثبوت الاعتداء، تماماً كما أن عدم وجود شكاية لا يعني بالضرورة عدم وقوع اعتداء.
إن توقيف المشتبه فيهم، إذا تم، والتحقيق معهم وإحالتهم على القضاء يمثل جانباً واحداً من معالجة الملف. أما الجانب الآخر فيتعلق بالسؤال عن منظومة حماية القاصرين نفسها.
فإذا كانت المدينة قد استقبلت أعداداً كبيرة من المهاجرين والقاصرين في ظرف استثنائي، فإن السلطات كانت مطالبة، بالتوازي مع التدابير الأمنية، بوضع ترتيبات استثنائية لحماية الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها الفتيات القاصرات.
ومن هنا، فإن أي تحقيق جدي في هذه القضية ينبغي ألا يقتصر على تحديد مرتكبي الاعتداءات المزعومة، بل يجب أن يبحث أيضاً في ظروف وقوعها، ومكان حدوثها، ومدى توفر الحماية، وكيفية تعامل الأجهزة المختصة مع البلاغات، وما إذا كانت هناك ثغرات سمحت بحدوثها أو استمرارها.
ما يجري في سبتة يضع السلطات أمام اختبار مزدوج: محاسبة من تثبت مسؤوليته عن الاعتداءات، ومراجعة منظومة حماية القاصرين لمنع تكرارها.
فالقاصرة التي تصل إلى مكان جديد دون أسرتها لا تحتاج فقط إلى مأوى؛ بل تحتاج إلى منظومة حماية متكاملة تضمن سلامتها الجسدية والنفسية، وتمنع استغلال هشاشتها.
وبينما يواصل القضاء الإسباني التحقيق في الملفات، تبقى القضية الأخطر هي تلك التي تتعلق بالقاصر التي يُشتبه في تعرضها لاعتداء جنسي خطير، إلى جانب باقي الحالات التي وصلت إلى القضاء.
والسؤال الذي ينبغي أن يبقى مطروحاً بقوة ليس فقط: من ارتكب هذه الجرائم؟ وإنما أيضاً: هل قامت السلطات بكل ما كان يتعين عليها القيام به لحماية قاصرات وجدن أنفسهن في وضعية هشّة داخل سبتة؟
فإذا أثبتت التحقيقات وجود تقصير، فإن المسؤولية لا ينبغي أن تتوقف عند الأفراد المتهمين بالاعتداء، بل يجب أن تمتد، في حدود ما يثبته القانون، إلى كل جهة أو مسؤول ثبت أنه أخل بواجب الحماية أو أهمل تحذيرات أو لم يوفر التدابير اللازمة لمنع الخطر.
وتظل كل الاتهامات الموجهة إلى الأفراد، وكذلك أي ادعاء بشأن تقصير السلطات، خاضعة للتحقيق والإثبات والقضاء؛ لأن قوة هذا الملف لا تكمن في الإثارة وحدها، وإنما في الوصول إلى الحقيقة الكاملة، وإنصاف الضحايا، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، أياً كان موقعه.
















