وكشفت معطيات علمية نشرتها وكالة الأنباء الإسبانية “إفي” أمس الثلاثاء 9 يونيو 2026، استناداً إلى تصريحات باحثين مغاربة وإسبان شاركوا في دراسة الموقع، أن لصوصاً تمكنوا من الاستيلاء على كتلة صخرية ضخمة يبلغ طولها 3.15 أمتار وعرضها 1.5 متر، كانت تحمل سلسلة استثنائية من ستة أزواج من آثار أطراف “التيروصورات”، وهي زواحف طائرة عاشت خلال العصر الطباشيري، في اكتشاف يعتبر من أندر الاكتشافات الأحفورية المسجلة في إفريقيا.
وتكمن خطورة الحادث في أن الموقع لم يكن مجرد تجمع لآثار متحجرة، بل كان يمثل أحد المواقع الإفريقية القليلة التي حافظت على آثار الأقدام والأطراف الأمامية والخلفية لهذه الكائنات بشكل متزامن، ما أتاح للعلماء فرصة نادرة لفهم طريقة تحركها وسلوكها في بيئتها الطبيعية قبل ملايين السنين. وقد اعتبر الباحثون أن هذه البصمات الأحفورية كانت تحمل مؤشرات علمية قد تسمح مستقبلاً بتحديد نوع جديد من الآثار الأحفورية غير الموصوفة سابقاً.
وما يزيد من خطورة الواقعة أن السرقة لم تكن عملاً عشوائياً أو تخريباً بسيطاً، بل عملية منظمة تمت باستعمال منشار صخري ومعدات متخصصة. وتشير شهادات الباحثين إلى أن اللوحة الأحفورية تعرضت أولاً للتقطيع على مرحلتين قبل أن يتم نقلها بالكامل خارج الموقع، وهو ما يعزز فرضية وقوف شبكات متخصصة في الاتجار غير المشروع بالأحافير وراء هذه الجريمة.
وتزامنت عملية السطو مع نشر دراسة علمية دولية أشرف عليها باحثون مغاربة وإسبان، تضمنت إحداثيات دقيقة للموقع الجيولوجي. ورغم أن الهدف من نشر هذه المعطيات كان خدمة البحث العلمي، فإن عدداً من المختصين لم يستبعدوا أن تكون تلك المعلومات قد استُغلت من طرف مهربي الأحافير لتحديد الموقع والوصول إليه بسهولة.
ورغم أن فريقاً علمياً سبق له سنة 2009 إنجاز قالب دقيق ونموذج ثلاثي الأبعاد للوحة الصخرية، فإن المختصين يؤكدون أن النسخ الرقمية لا تستطيع تعويض الأصل. فالقيمة العلمية للأحافير لا تكمن فقط في شكلها الظاهر، بل أيضاً في طبيعة الصخور المحيطة بها وترتيبها الجيولوجي والعلاقات الدقيقة بين مكوناتها، وهي معطيات تضيع إلى الأبد بمجرد اقتلاع القطعة من سياقها الطبيعي.
وتعيد هذه القضية إلى الواجهة ملف الاتجار غير المشروع بالأحافير في المغرب، الذي يعد واحداً من أغنى البلدان عالمياً بالمواقع الجيولوجية والأحفورية. فخلال العقود الماضية، تحولت بعض الكنوز الطبيعية إلى سلع تباع في الأسواق الدولية وبين هواة جمع الأحافير، في ظل صعوبات مرتبطة بالمراقبة والحماية القانونية والتوعية المجتمعية بأهمية هذا التراث. وتشير أوساط علمية إلى أن ما ضاع في ميبلادن لا يمكن تقدير قيمته بالمال، لأنه يمثل وثيقة علمية فريدة كانت قادرة على تقديم معلومات جديدة حول تاريخ الحياة على الأرض.
إن ما حدث في ميبلادن لا يخص الباحثين وحدهم، بل يهم المغرب والعالم بأسره. فكما يُنظر إلى تخريب موقع أثري تاريخي باعتباره اعتداءً على ذاكرة الشعوب، فإن تدمير موقع أحفوري نادر يعد اعتداءً على ذاكرة الكوكب نفسه. وبينما تتواصل التحقيقات لكشف ملابسات السرقة، يطالب علماء الجيولوجيا والآثار الطبيعية بإطلاق استراتيجية وطنية عاجلة لحماية المواقع الأحفورية، قبل أن تختفي كنوز علمية أخرى بصمت من تحت أقدامنا.
لقد خسر المغرب لوحة صخرية نادرة، لكن الخسارة الحقيقية تكمن في ضياع صفحات كاملة من تاريخ الأرض كانت محفوظة في صخور ميبلادن، تنتظر فقط من يقرأها.










