وبحسب أحدث المعطيات المتاحة، ارتفع عدد الجثامين المنتشلة المرتبطة بهذه المأساة إلى 83 جثماناً، فيما لم يتم التعرف رسمياً سوى على ستة ضحايا، ما يعني أن الغالبية الساحقة من الجثامين لا تزال تنتظر اسماً وهوية وعائلة تطالب بها.
وتنتظر السلطات الإسبانية استكمال التراخيص والإجراءات القضائية اللازمة للشروع في عمليات الدفن، بعدما استنفدت المصالح المختصة مراحل أساسية من الفحوص الطبية الشرعية وجمع المعطيات البيومترية والبيولوجية الخاصة بالضحايا.
ومن المرتقب أن تحتضن المقبرة الإسلامية سيدي مبارك العدد الأكبر من الجثامين، فيما ستخصص المقبرة المسيحية سانتا كاتالينا لدفن عدد من الضحايا المنحدرين، وفق المعطيات المتاحة، من إفريقيا جنوب الصحراء.
ولا يمثل الدفن في هذه الحالة نهاية الملف، إذ تعمل السلطات على الاحتفاظ بالمعطيات الخاصة بكل جثمان، بما في ذلك البصمات والعينات البيولوجية والبيانات المرتبطة بملف التعرف، حتى تظل إمكانية تحديد الهوية قائمة في حال ظهرت مستقبلاً معلومات جديدة أو تقدمت عائلات بعينات حمض نووي للمطابقة.
وتكتسي هذه الإجراءات أهمية خاصة في ظل صعوبة التعرف على عدد كبير من الضحايا، خصوصاً أن بعض الجثامين انتُشلت بعد فترة من بقائها في البحر، الأمر الذي جعل الاعتماد على التعرف البصري غير كافٍ، ودفع المحققين إلى اللجوء إلى البصمات وتحاليل الحمض النووي وغيرها من المعطيات الجنائية.
وقد تمكنت السلطات، وفق آخر المعطيات المنشورة، من تحديد هوية ثلاثة ضحايا بواسطة البصمات، وثلاثة آخرين عبر تحاليل الحمض النووي، بينما تواصل المصالح المختصة العمل على مطابقة بيانات باقي الجثامين مع البلاغات المقدمة بشأن الأشخاص المفقودين.
وتزداد قسوة المشهد مع استمرار عائلات في البحث عن ذويها، في وقت تتجه فيه السلطات إلى دفن جثامين قد لا تتمكن من تسليمها إلى أسرها في الوقت الراهن. فخلف كل جثمان مجهول، توجد عائلة تنتظر خبراً، وأم أو أب أو زوجة أو أبناء لا يملكون حتى اليقين بشأن مصير قريبهم.
وتأتي هذه التطورات بعد موجة عبور جماعي نحو سبتة شهدت عمليات واسعة للبحث والإنقاذ وانتشال الضحايا، بعدما حاول مهاجرون الوصول إلى المدينة عبر البحر في ظروف بالغة الخطورة.
وفي الجانب المغربي، تكتسب عملية التعرف على الضحايا أهمية إضافية، خصوصاً مع وجود معطيات تشير إلى أن عدداً من الذين تم تحديد هوياتهم كانوا مغاربة. كما تم تبادل المعطيات المتوفرة في إطار محاولات الوصول إلى هويات أخرى وربط الجثامين بعائلاتها.
وبينما تستعد المقابر لاستقبال الجثامين، يبقى السؤال الأكثر إيلاماً مفتوحاً: كم عائلة ستتلقى خبراً نهائياً عن مصير أحد أفرادها، وكم عائلة ستظل تنتظر؟
إن عملية الدفن المرتقبة في سبتة المحتلة لا تغلق صفحة المأساة، بل تفتح فصلاً آخر منها؛ فدفن جثمان مجهول الهوية لا يعني أن قصته انتهت، ولا أن حق عائلته في معرفة مصيره سقط. ولهذا ستظل ملفات التعرف مفتوحة، حتى بعد أن توارى الجثامين تحت التراب، أملاً في أن تحمل البصمات أو تحاليل الحمض النووي يوماً أسماءً جديدة إلى هذه القبور.
وهكذا تتحول مقابر المدينة المغربية المحتلة خلال الأيام المقبلة إلى شاهد صامت على الكلفة الإنسانية الثقيلة لمحاولات العبور البحري غير النظامي، فيما تستعد السلطات لدفن عشرات الضحايا الذين لم يجدوا بعد طريق العودة إلى عائلاتهم، بعدما وجدوا في البحر نهايتهم.
















