غير أن هذه العبارة، وإن كانت تعكس الموقف الرسمي للمؤسسات الأوروبية تجاه وضع سبتة باعتبارها مدينة تديرها إسبانيا، لا تنهي النقاش التاريخي والسياسي حول المدينة، ولا تجعل من الرواية الأوروبية حقيقة محل إجماع بين جميع الأطراف، وعلى رأسها المغرب الذي يتمسك بمغربية سبتة ومليلية ويدعو إلى معالجة وضع المدينتين في إطار الحوار.
وتأتي تصريحات فون دير لاين بعد الأزمة التي شهدتها سبتة يومي 30 و31 يوليوز 2026، عندما شهدت المنطقة تدفقاً جماعياً للمهاجرين من الجانب المغربي. ووفق بحث صادر عن البرلمان الأوروبي، دخل نحو 80 ألف شخص إلى سبتة في تلك الأحداث، فيما سجلت السلطات الإسبانية ما لا يقل عن 72 وفاة مرتبطة بمحاولات العبور، قبل أن يعود معظم من دخلوا إلى المغرب خلال الأيام التالية.
لكن تحويل هذه الأزمة الإنسانية إلى مناسبة لإعادة تثبيت خطاب سياسي يعتبر سبتة «حدوداً أوروبية» يطرح، من المنظور المغربي، سؤالاً أوسع من مجرد تدبير الهجرة: هل يمكن للانتماء الإداري الحالي إلى إسبانيا أن يحسم بشكل نهائي مسألة مدينة يوجد حول وضعها السياسي خلاف تاريخي بين الرباط ومدريد؟
بالنسبة إلى المغرب، لا يتعلق الأمر بمجرد نقطة حدودية أوروبية في شمال إفريقيا، وإنما بمدينتين تعتبرهما الرباط جزءاً من ترابها الوطني، وهو موقف أعيد التعبير عنه رسمياً خلال غشت 2026. فقد أكد وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي أن سبتة ومليلية تمثلان «حقاً تاريخياً وجغرافياً» للمغرب، ودعا إلى فتح قنوات للحوار مع إسبانيا بشأن مستقبلهما. وردت مدريد في المقابل برفض قاطع للمطالب المغربية، مؤكدة تمسكها بسيادتها على المدينتين.
ومن هنا، فإن استعمال عبارة «سبتة أوروبية» لا ينبغي أن يُقرأ مغربياً باعتباره حقيقة سياسية غير قابلة للنقاش، بل باعتباره تعبيراً عن الموقف الأوروبي والإسباني من الوضع الحالي للمدينة.
واللافت أن الأزمة الأخيرة نفسها أظهرت مدى حساسية موقع سبتة؛ فهي مدينة تقع جغرافياً في القارة الإفريقية، لكنها تُدار من طرف إسبانيا وتُعامل في الإطار الأوروبي باعتبارها جزءاً من الحدود الخارجية للاتحاد. وقد وصف البرلمان الأوروبي سبتة ومليلية بأنهما من الحدود البرية للاتحاد الأوروبي مع إفريقيا، في حين تظل وضعيتهما الجيوسياسية محل خلاف بين المغرب وإسبانيا.
كما أن رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز شدد، في كلمة أمام البرلمان الإسباني يوم 3 شتنبر، على تمسك مدريد بسيادتها على سبتة ومليلية، معلناً أن حكومته لن تتخلى عنها. وفي الوقت نفسه أقر بأن الأزمة الأخيرة كشفت تعقيدات متعددة تتداخل فيها قضايا الهجرة والأمن والجغرافيا والسياسة.
أما المغرب، فيتعامل مع الملف من زاوية مختلفة؛ إذ يرى أن التعاون مع إسبانيا في ملفات الأمن والهجرة ومكافحة الجريمة المنظمة لا يعني التخلي عن موقفه بشأن سبتة ومليلية. وبعبارة أخرى، يمكن للتعاون العملي بين البلدين أن يستمر، بينما يبقى الخلاف حول الوضع السياسي للمدينتين قائماً.
وهنا تكمن أهمية التمييز بين إدارة الحدود في الواقع الحالي وبين حسم السيادة من الناحية السياسية. فكون الاتحاد الأوروبي يتعامل مع سبتة باعتبارها جزءاً من المجال الأوروبي لا يعني أن الرباط قبلت بهذا التصور أو تخلت عن مطالبتها بالمدينتين.
أما أزمة الهجرة الأخيرة، فلا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لطمس أصل الخلاف. فالمأساة الإنسانية التي رافقت محاولات العبور، وسقوط ضحايا، وضغط الهجرة غير النظامية، كلها ملفات تستوجب معالجة أمنية وإنسانية مسؤولة، لكنها لا تلغي في حد ذاتها السؤال السياسي المتعلق بمستقبل سبتة ومليلية.
ومن المنظور المغربي، فإن الطريق إلى معالجة هذا الملف لا يمر عبر تكريس الأمر الواقع بخطاب سياسي من طرف واحد، وإنما عبر الحوار المباشر والهادئ بين الرباط ومدريد، بعيداً عن التصعيد اللفظي، وبما يأخذ بعين الاعتبار التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة ومستقبل العلاقات المغربية الإسبانية.
وهكذا، فإن عبارة «سبتة هي أوروبا» قد تعبر بوضوح عن الموقف الذي تتبناه بروكسيل ومدريد، لكنها لا تنهي النقاش من الجانب المغربي؛ فبالنسبة إلى الرباط، تظل سبتة ومليلية جزءاً من ملف سيادي وتاريخي مفتوح، لا يمكن اختزاله في أزمة هجرة عابرة أو في توصيف إداري أوروبي للحدود.
القضية، في النهاية، ليست قضية جغرافيا فقط، بل قضية تاريخ وذاكرة وسيادة ومفاوضات مؤجلة بين بلدين تجمعهما اليوم مصالح استراتيجية واسعة.