وبحسب المعطيات المتداولة، فقد تم توقيف المعنية بالأمر بمطار محمد الخامس، قبل أن تنشر لاحقاً فيديو عبر حسابها على «إنستغرام» تقدم فيه اعتذاراً وتوضيحات بشأن المحتوى الذي أثار الانتقادات. وتظل الملابسات القانونية الدقيقة للواقعة من اختصاص الجهات المختصة، في انتظار ما قد يصدر عنها من معطيات رسمية.
لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد فضاءات للتواصل والترفيه، بل أصبحت مجالاً واسعاً للإشهار والتأثير وصناعة الرأي. ومع اتساع قاعدة المتابعين، أصبح بعض المؤثرين يمتلكون قدرة كبيرة على توجيه سلوك الجمهور، والترويج للمنتجات والأفكار والأنماط الاجتماعية.
غير أن هذه القوة الرقمية تطرح في المقابل مسؤولية متزايدة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمحتويات تعتمد على الإثارة أو الإيحاءات أو تجاوز الحدود المهنية والأخلاقية من أجل تحقيق نسب مشاهدة مرتفعة.
فمنطق «كلما كان المحتوى أكثر إثارة، ارتفع التفاعل» قد يدفع بعض صناع المحتوى إلى اعتماد أساليب مثيرة للجدل، دون تقدير كافٍ للآثار التي يمكن أن تتركها على الأطفال والمراهقين والفئات الأكثر تأثراً بما تشاهده على الشبكات الاجتماعية.
تزداد حساسية القضية عندما يتعلق الأمر بالمحتوى الإشهاري. فالإعلان الرقمي لم يعد مجرد عرض لمنتج، وإنما أصبح في كثير من الحالات يعتمد على شخصية المؤثر وطريقة تقديمه للمحتوى وقدرته على استقطاب الجمهور.
وفي مثل هذه الحالات، يطرح السؤال حول الحدود الفاصلة بين الإبداع الإعلاني وحرية التعبير من جهة، والمسؤولية الاجتماعية والقانونية من جهة أخرى.
فالمؤثر، بمجرد امتلاكه جمهوراً واسعاً، لا يصبح معفياً من المسؤولية عن مضمون ما ينشره، خصوصاً إذا كان المحتوى موجهاً إلى جمهور متنوع يضم قاصرين وشباباً.
ويرى متابعون للشأن الرقمي أن خطورة بعض المحتويات لا ترتبط فقط بمضمون الفيديو في حد ذاته، وإنما بقدرته على الانتشار السريع وإعادة النشر خارج سياقه الأصلي.
فالفيديو الذي قد يُنتج أساساً لأغراض تجارية أو لتحقيق التفاعل يمكن أن يتحول خلال ساعات إلى مادة للنقاش والسخرية والانتقاد، وقد يصل إلى فئات لم تكن تستهدفها الرسالة الإعلانية أصلاً.
كما أن استمرار بعض المؤثرين في تقديم محتويات مثيرة قد يساهم، بحسب منتقدي هذا النوع من المحتوى، في تطبيع مظاهر يعتبرها جزء من المجتمع غير مناسبة للفضاء العام، خصوصاً عندما تصبح الإثارة وسيلة شبه دائمة للحفاظ على نسب المشاهدة.
وتظل حرية التعبير والإبداع والإشهار في المقابل حقوقاً قائمة، لكن ممارستها تظل مرتبطة باحترام القوانين والضوابط التي تحكم النشر والإعلان وحماية القاصرين والمستهلكين.
تضع هذه التحولات السلطات الأمنية والقضائية أمام تحد جديد يتمثل في التعامل مع فضاء رقمي سريع الانتشار، لا يعترف بالحدود التقليدية للنشر والتوزيع.
وتتطلب مواجهة المحتويات التي قد تشكل مخالفات قانونية عمليات للرصد والتحقق وجمع المعطيات وتحديد المسؤوليات، قبل إحالة الملفات، عند الاقتضاء، على الجهات القضائية المختصة.
وتأتي التحركات الأمنية في هذا السياق ضمن جهود أوسع لمواجهة بعض مظاهر الاستعمال غير القانوني للمنصات الرقمية، مع ضرورة التمييز بين المحتوى المثير للجدل والمحتوى الذي يشكل بالفعل مخالفة يعاقب عليها القانون.
وتبرز هنا أهمية الاحتكام إلى المؤسسات المختصة، بعيداً عن إصدار أحكام مسبقة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لأن الانتقادات الرقمية لا يمكن أن تحل محل المساطر القانونية والقضائية.
قيام المؤثر بحذف محتوى مثير للجدل أو نشر اعتذار قد يساهم في تهدئة ردود الفعل، لكنه لا يعني بالضرورة انتهاء أي مسار قانوني محتمل إذا كانت الجهات المختصة قد باشرت إجراءات بشأنه.
وفي المقابل، فإن مجرد توقيف شخص أو إخضاعه للبحث لا يعني إدانته، إذ تظل قرينة البراءة مبدأ أساسياً إلى حين صدور قرار قضائي نهائي.
وتكشف واقعة سكينة كلامور، بمعزل عن مآلاتها القانونية، عن الحاجة المتزايدة إلى وعي أكبر لدى المؤثرين بأن الشهرة الرقمية لا تعني غياب المسؤولية، وأن عدد المتابعين لا يمنح صاحبه حصانة من القانون أو من المساءلة المجتمعية.
لا تبدو معالجة ظاهرة المحتوى المثير للجدل مرتبطة بالجانب الأمني وحده، بل تحتاج إلى مقاربة متعددة الأبعاد تشمل التربية الرقمية، ورفع وعي الجمهور، وتشجيع المؤثرين على اعتماد معايير مهنية واضحة، إلى جانب تطبيق القانون عندما يتعلق الأمر بمخالفات ثابتة.
فالمعادلة لم تعد بسيطة بين مؤثر وجمهور، وإنما أصبحت تتعلق بصناعة محتوى قادرة على التأثير في السلوك والذوق العام والاختيارات الاستهلاكية والاجتماعية لملايين الأشخاص.
وبينما تواصل السلطات التعامل مع الحالات التي تستوجب التدخل وفق المساطر القانونية، يبقى التحدي الأكبر هو ترسيخ ثقافة رقمية تجعل من التأثير مسؤولية قبل أن يكون شهرة، ومن الإبداع قيمة مضافة للمجتمع بدل أن يتحول إلى سباق مفتوح نحو الإثارة والمشاهدات.
وتبقى قضية سكينة كلامور في نهاية المطاف، ليست فقط واقعة مرتبطة بفيديو أثار الجدل، بل تعكس نقاشاً أوسع حول مستقبل صناعة المحتوى في المغرب، وحدود الحرية الرقمية، ومسؤولية المؤثرين، ودور السلطات والمجتمع في حماية الفضاء الرقمي من المحتويات التي قد تكون لها آثار تتجاوز بكثير حدود الشاشة.
















