أفرزت الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026 خريطة سياسية جديدة داخل مجلس النواب، بعدما تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج المؤقتة بـ97 مقعداً، متبوعاً بالتجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعداً، فيما سجل حزب العدالة والتنمية عودة قوية إلى الواجهة بحصوله على 54 مقعداً.
وبهذه النتائج، انتقل «البام» إلى صدارة المشهد البرلماني، لكنه لم يحصل على الأغلبية التي تمكنه من تشكيل الحكومة منفرداً، إذ يحتاج أي تحالف حكومي إلى بلوغ 198 مقعداً على الأقل داخل مجلس النواب.
وتكشف الحسابات الأولية عن إمكانية تشكيل أغلبية من خلال تحالف «البام» والأحرار والاستقلال، والتي تصل حصيلتها إلى 228 مقعداً. كما تبرز حسابياً صيغة أخرى تجمع «البام» والاستقلال والعدالة والتنمية، بـ216 مقعداً.
غير أن الأرقام وحدها لا تحسم شكل الحكومة المقبلة، لأن الانتقال من الحساب البرلماني إلى الاتفاق السياسي يظل مرتبطاً بالمشاورات والتفاهمات بين الأحزاب ومواقف قياداتها ومؤسساتها.
ويكتسب موقع حزب الاستقلال أهمية خاصة في هذه المرحلة، بعدما أصبح رقمه البرلماني يسمح له بالدخول في أكثر من صيغة حسابية ممكنة، بينما أعادت العودة القوية للعدالة والتنمية الحزب إلى قلب المعادلة البرلمانية بعد انتقاله من 13 مقعداً في انتخابات 2021 إلى 54 مقعداً في النتائج الحالية.
وفي المقابل، تطرح العلاقة بين «البام» والتجمع الوطني للأحرار سؤالاً سياسياً بارزاً، بعدما خاض الحزبان الانتخابات في منافسة قوية، رغم مشاركتهما سابقاً في الأغلبية الحكومية نفسها. ولذلك فإن أي مشاورات مستقبلية بينهما ستتجاوز الحسابات العددية إلى طبيعة التفاهمات السياسية التي يمكن أن تجمعهما من جديد.
وفي خلفية المشهد، يبرز رقم لا يقل أهمية عن عدد المقاعد، ويتعلق بنسبة المشاركة التي بلغت 38.08 في المائة، مقابل 50.86 في المائة سنة 2021 و42.27 في المائة سنة 2016، وفق المعطيات الرسمية المعلنة.
وتضع هذه النسبة الحكومة المقبلة والأحزاب السياسية أمام سؤال أوسع يتعلق بالمشاركة السياسية والثقة في المؤسسات، إلى جانب الملفات الاجتماعية والاقتصادية التي ستفرض نفسها على أجندة المرحلة المقبلة.
أما بخصوص رئاسة الحكومة، فإن تصدر «البام» يجعله نقطة الانطلاق في المشاورات وفق المسار الدستوري، لكن نتائج الانتخابات وحدها لا تحسم اسم الشخصية التي ستتولى رئاسة الحكومة، ولا طبيعة التشكيلة الوزارية المقبلة.
وهكذا، تكون صناديق الاقتراع قد حسمت ترتيباً جديداً للقوى داخل البرلمان، لكنها لم تحسم بعد شكل الأغلبية الحكومية.
ستكون المرحلة المقبلة مختلفة: مفاوضات، تحالفات، تفاهمات، وبرنامج حكومي جديد.. وبين 228 مقعداً في صيغة، و216 مقعداً في صيغة أخرى، يبقى السؤال مفتوحاً حول الشكل الذي ستأخذه الحكومة المقبلة.