ولم تنتظر السلطات المغربية هذه المرة وصول الحشود إلى محيط السياج الحدودي حتى تتحرك، بل اختارت التعامل مع الخطر في مرحلته الأولى، من خلال تتبع الدعوات الرقمية ورصد التحركات الميدانية المرتبطة بها، في محاولة لقطع الطريق أمام سيناريو كان يُخشى أن يعيد إنتاج أحداث نهاية يوليوز.
ويأتي هذا التحرك بعد أيام قليلة من أحداث 30 و31 يوليوز الماضي، حين تحولت التعبئة عبر منصات التواصل الاجتماعي إلى تحركات بشرية واسعة باتجاه سبتة، ما فرض ضغطاً استثنائياً على الأجهزة الأمنية الإسبانية وعلى المدينة المحتلة، وأعاد إلى الواجهة المخاطر المرتبطة بتوظيف الفضاء الرقمي في تنظيم موجات الهجرة الجماعية.
وبينما كان سيناريو جديد يلوح في الأفق تحت عنوان «15 غشت»، سارعت السلطات المغربية إلى تعزيز وجودها الأمني والعسكري في الفنيدق ومحيطها، وإقامة سدود ومراقبة للمحاور المؤدية إلى المنطقة الحدودية، بالتوازي مع تتبع التحركات المشبوهة ورصد الدعوات التي كانت تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
الأكثر دلالة في العملية أن التدخل لم يقتصر على الأشخاص الذين حاولوا فعلياً الاقتراب من الحدود، إذ تحدثت المعطيات الأمنية عن توقيف 61 شخصاً للاشتباه في تورطهم في التحريض والترويج لدعوات الهجرة غير النظامية عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
وهنا تحديداً تظهر ملامح التحول في المقاربة الأمنية المغربية؛ فالمعركة لم تعد تبدأ عند السياج الحدودي، وإنما قبل ذلك بكثير، في الفضاء الرقمي الذي يمكن أن يحول منشوراً أو مقطع فيديو أو مجموعة مغلقة إلى أداة تعبئة قادرة على تحريك مئات، وربما آلاف الأشخاص خلال ساعات.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية أكبر بالنظر إلى ما كشفته تحقيقات إعلامية إسبانية بشأن التحركات التي سبقت أحداث نهاية يوليوز، حيث جرى توثيق نشاط مجموعات على فيسبوك وواتساب دعت إلى التوجه نحو سبتة المحتلة، فيما رصدت منصات تحقق إسبانية، بينها Maldita.es، نقاشات رقمية مرتبطة بموعد التحرك وطريقة الوصول إلى الحدود.
وتشير هذه المعطيات إلى أن التعبئة الرقمية لم تعد ظاهرة هامشية في ملف الهجرة غير النظامية، بل أصبحت عاملاً قادراً على تغيير طبيعة الأحداث الحدودية، خصوصاً عندما تتزامن الدعوات مع انتشار معلومات مضللة أو وعود بالوصول السهل إلى الضفة الأخرى.
وفي خضم ذلك، برزت أيضاً تقارير إعلامية إسبانية تحدثت عن نشاط حسابات يُشتبه في ارتباطها بالجزائر ضمن حملات التحريض الرقمي المرتبطة بالهجرة نحو سبتة. كما نقلت تقارير صحفية معطيات منسوبة إلى مصادر استخباراتية إسبانية تفيد بوجود حسابات مرتبطة بالجزائر ضمن الجهات التي ساهمت في إطلاق أو تغذية بعض الدعوات الأولى، قبل أن تتوسع الحملة وتنضم إليها حسابات من بلدان أخرى.
غير أن هذه المعطيات تظل، في غياب كشف رسمي إسباني أو مغربي مفصل للرأي العام، في خانة التقارير والاتهامات التي تحتاج إلى مزيد من التحقق، وهو ما يجعل التعامل معها باعتبارها حقيقة محسومة أمراً غير دقيق صحفياً.
وفي المقابل، فإن ما وقع ميدانياً صباح اليوم يقدم معطى أكثر وضوحاً: السلطات المغربية لم تنتظر وصول موجة بشرية ضخمة إلى السياج الحدودي، وإنما تدخلت قبل أن تتبلور المحاولة الجديدة إلى واقع يصعب احتواؤه.
فمن خلال توقيف مرشحين للهجرة، وتشديد المراقبة على المحاور المؤدية إلى الحدود، وملاحقة مشتبه في تورطهم في التحريض الرقمي، بدا واضحاً أن الهدف لم يكن فقط منع عبور أشخاص، وإنما تفكيك سلسلة التعبئة قبل أن تصل إلى لحظة الانفجار.
وهذا تحديداً ما يميز أحداث 15 غشت عن سيناريو 30 و31 يوليوز؛ إذ يبدو أن السلطات المغربية استخلصت درساً أمنياً مباشراً من التجربة السابقة: الانتظار حتى وصول الحشود إلى الحدود قد يجعل السيطرة على الوضع أكثر تعقيداً، بينما يسمح الرصد المبكر للدعوات والتحركات بالتدخل قبل تشكل الكتلة البشرية.
ولا يتعلق الأمر هنا بملف الهجرة وحده، فموقع الفنيدق وسبتة يجعل أي موجة جماعية نحو الحدود ذات أبعاد أمنية وسياسية وإنسانية تتجاوز مسألة العبور غير النظامي.
فالمنطقة تقع في واحدة من أكثر النقاط الحدودية حساسية في غرب المتوسط، وأي انفلات واسع يمكن أن يضع المغرب وإسبانيا أمام ضغط أمني وإنساني وسياسي كبير، فضلاً عن إمكانية استغلاله في صراعات إعلامية ورقمية تتجاوز الحدود الجغرافية للمنطقة.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الاستنفار المغربي باعتباره محاولة لمنع تكرار سيناريو تحولت فيه دعوات رقمية إلى تحرك جماعي على الأرض. فالدرس الذي فرضته أحداث يوليوز هو أن المسافة بين «المنشور» و«الحدود» قد تصبح قصيرة جداً عندما تدخل آلاف الحسابات والمجموعات في عملية تعبئة متزامنة.
لذلك، فإن رقم 111 موقوفاً لا يختصر وحده ما جرى صباح 15 غشت؛ فخلف الرقم توجد عملية أمنية أوسع تستهدف منع موجة جديدة من الوصول إلى السياج الحدودي، بالتوازي مع مواجهة المصدر الرقمي الذي يمكن أن ينتج مثل هذه التحركات.
وتكشف التطورات الأخيرة أن الحدود المغربية الإسبانية دخلت مرحلة جديدة من التحديات؛ مرحلة لم تعد فيها الأسلاك والسدود الأمنية وحدها كافية، بعدما أصبح الهاتف المحمول ومواقع التواصل الاجتماعي جزءاً من المشهد العملياتي.
فإذا كانت أحداث 30 و31 يوليوز قد أثبتت قدرة الدعوات الرقمية على الانتقال من الشاشة إلى الشارع، فإن تحرك 15 غشت أظهر في المقابل أن الأجهزة الأمنية المغربية بدأت تتعامل مع هذه الدعوات باعتبارها إنذاراً مبكراً لا يمكن تجاهله.
وفي المحصلة، يبدو أن المغرب اختار هذه المرة أن يجهض السيناريو قبل أن يبدأ فعلياً؛ فمنع وصول الحشود إلى الحدود، وفتح جبهة موازية ضد المحرضين والمروجين، في محاولة لقطع الطريق على موجة جديدة كان يمكن أن تتحول، خلال ساعات، إلى أزمة أكبر بكثير.
لكن التحدي الحقيقي لم ينتهِ عند الفنيدق. فطالما بقيت شبكات التواصل الاجتماعي قادرة على إنتاج دعوة واحدة وتحويلها بسرعة إلى حملة تعبئة جماعية، فإن جزءاً أساسياً من معركة الحدود سيظل يجري بعيداً عن السياج، داخل الهواتف والشاشات والمجموعات المغلقة.
وهنا تكمن المفارقة: الحدود قد تكون على الأرض، لكن شرارة الأزمة يمكن أن تبدأ من شاشة هاتف.
بقلم ذ : عادل العسولي
















