وتكتسب هذه المعلومة أهمية خاصة لأن الزيارة المنتظرة لا تبدو مجرد محطة بروتوكولية، بل يفترض أن تشكل تتويجاً لمسار جديد في العلاقات المغربية الفرنسية، خصوصاً بعد التحول الكبير الذي عرفه الموقف الفرنسي من قضية الصحراء المغربية.
وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد أعلن خلال زيارته للمغرب في أكتوبر 2024 الانتقال إلى مرحلة جديدة من “الشراكة الاستثنائية المعززة”، كما ارتبطت هذه المرحلة بالتحضير لإطار استراتيجي جديد للعلاقات بين البلدين.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الزيارة الملكية قد تكون مناسبة لإخراج هذا الإطار إلى حيز التنفيذ، وربما توقيع اتفاق أو معاهدة جديدة تؤسس لمرحلة مختلفة في العلاقات المغربية الفرنسية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا تأجلت الزيارة؟
لا توجد، إلى حدود الآن، معطيات رسمية تسمح بالقول إن التأجيل سببه خلاف سياسي بين الرباط وباريس. بل إن المؤشرات الرسمية الأخيرة تسير في اتجاه مختلف تماماً، بعدما احتضنت الرباط في يوليوز 2026 الدورة الخامسة عشرة للاجتماع رفيع المستوى المغربي الفرنسي، بحضور رئيس الحكومة الفرنسي سيباستيان لوكورنو، وتم خلالها التأكيد على مواصلة بناء الشراكة بين البلدين.
ويبدو أن العامل السياسي والزمني قد يكون أكثر حضوراً من فرضية الأزمة. فالمغرب يستعد لاستحقاق انتخابي تشريعي في شتنبر 2026، بينما تدخل فرنسا لاحقاً سنة انتخابية رئاسية حاسمة، ما يجعل برمجة زيارة دولة في هذا الظرف مسألة تحتاج إلى حسابات دقيقة.
ويبرز هنا سيناريو يناير 2027 باعتباره توقيتاً محتملاً، لأنه يسمح للزيارة بأن تأتي بعد الانتخابات المغربية، وفي الوقت نفسه قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في ربيع 2027.
لكن هذا السيناريو يحمل بدوره مفارقة سياسية كبيرة: كلما اقتربت الزيارة من الانتخابات الفرنسية، ارتفع احتمال أن تتأثر برزنامة الاستحقاق الرئاسي الفرنسي.
وتكمن أهمية ذلك في أن زيارة الملك محمد السادس ستكون، في حال انعقادها، واحدة من أبرز محطات السياسة الخارجية الفرنسية في الفترة التي تسبق الانتخابات الرئاسية، خصوصاً أن العلاقة مع المغرب أصبحت مرتبطة بملفات استراتيجية تتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية.
وتشمل هذه الملفات الأمن والهجرة والاستثمار والطاقة والبنية التحتية والتعاون الصناعي، إضافة إلى قضية الصحراء المغربية التي شكلت خلال السنوات الأخيرة أحد أبرز مفاتيح إعادة ترتيب العلاقات بين الرباط وباريس.
ويبرز المغرب، من جهته، باعتباره الطرف الذي دخل هذه المرحلة الجديدة من موقع مختلف عن السابق، بعدما أصبحت فرنسا من الدول الأوروبية الكبرى التي أعلنت بوضوح دعمها للموقف المغربي بشأن الصحراء، وهو تحول كانت له انعكاسات مباشرة على طبيعة العلاقات الثنائية.
ولهذا، فإن تأجيل الزيارة لا يعني بالضرورة تراجعاً في العلاقات؛ بل قد يكون العكس صحيحاً: كلما كانت الزيارة مرتبطة باتفاقات استراتيجية كبرى، أصبح تحديد موعدها أكثر حساسية وتعقيداً.
ويبقى السؤال الأكبر: هل سيتمكن الطرفان من تنظيم الزيارة خلال يناير 2027، أم أن الانتخابات الرئاسية الفرنسية ستفرض تأجيلاً جديداً؟
فالفرق بين السيناريوهين كبير جداً.
إذا تمت الزيارة قبل الانتخابات الفرنسية، فسيكون إيمانويل ماكرون هو الرئيس الذي يستقبل الملك محمد السادس ويشرف معه على إطلاق المرحلة الجديدة من الشراكة.
أما إذا تأجلت إلى ما بعد الانتخابات، فقد تجد الرباط نفسها أمام رئيس فرنسي جديد، وهو ما يعني عملياً إعادة فتح جزء من الحسابات السياسية المرتبطة بالاتفاقات الاستراتيجية التي يجري إعدادها حالياً.